يوليو 01، 2009

اسافي



كانت جميلة جدا تلك الفتاة " اسافي " ، ابنة رئيس القبيلة ، وكان والدها الشيخ ينظر إلى فتاته بحنان كبير ، كما يجب على الآباء أن ينظروا إلى أبنائهم غير السعداء .
كانت الشابة الهندية " اسافي " رائعة الجمال ، وقد أتاها خيرة المحاربين لرؤيتها ، والتقدم لخطبتها ، لكن اسافي لم تعط إجابة للذين تحببوا إليها ، فالفتاة الأكثر جمالا في القبيلة لا تبادل الحب ، لأنها كانت باردة وقاسية القلب .
لم تعشق " اسافي " ولم تطع أحداً ، لهذا كانوا يتندرون عليها ويقولون : " التي لم تبك أبداً " ، ولم ير أحد دمعة منها في عيونها السود رغم معاناة أهلها .
احدى ارتفاعات مياه نهر الأرغواي أُغرقت ، واقتلعت الأكواخ و الخوص ، وأخذت إلى الأبد النساء والأطفال ، فرفع الشيوخ و الشباب نحيبهم وأساهم إلى السماء لكن اسافي لم تبك .
كانت عيناها الرائعتان السوداويان تنظران إلى بعيد بلا مبالاة بآلام الآخرين ، فبدءوا يفكرون أن اسافي هي سبب كل المآسي تلك ، فقالت احدى الساحرات : " دموع اسافي فقط تقدر على تهدئة غضب الآلهة " .
لكن حلّت مآس أخرى وأخريات ، وفي احدى المعارك مع قوم آخر أقوياء وأشداء كان على القبيلة أن تهرب ، وتختفي في الجبال بعد أن وقعت الفتيات العذراوات الأكثر روعة في أيدي الأعداء ، وسقط أشجع المحاربين قتلى ، وتقلصت القبيلة إلى بضع نساء وحفنة من المقاتلين ، الذين أنقذوا الشيخ الزعيم و لجأ جميعهم إلى الغابة ، ومن ضمنهم كانت اسافي ، وفي عينيها لم يكن يلمع الدمع ، فألقت الساحرة بيدها على طلاسمها وسحرها ، علها تتوصل إلى نصيحة الفلك والنجوم ، وفي النهاية قالت : " كي تمر المصائب من جانبنا ولا تضربنا ، يجب على اسافي أن تبكي " ، لكن كيف نجعلها تبكي ، فالشيخ الزعيم يكنّ لابنته حبا كبيرا لا حدود له ، فكيف يمكن جعلها تبكي ، إذ أنها لم تكن قادرة على إظهار ابسط علامات الشفقة مع مآسي ومصائب الآخرين ، وهذا ما أراده الكهان والسحرة ، وكان بالضبط امتحان الألم في داخل أعماقها .
في يوم من الأيام ، كانت اسافي تتمشى في أحد دروب الغابة ، فخرجت للقائها امرأة عجوز محنية الظهر، وترتجف ، وبصوت فيه الكثير من الحسرة طلبت منها أن تقطع لها بعض الأغصان اليابسة لكوخها حيث حفيدها مريض ، ويكاد يموت من البرد .
نظرت اسافي إليها بازدراء ، فركعت العجوز على ركبتيها ، وطلبت منها ، وتوسلت بصوت مفجوع ، لكن الشابة الهندية تابعت طريقها .
بعد قليل ظهرت لها امرأة لا تزال شابة ، وعلي يديها طفل ، والدموع في عينيها ، اقتربت المرأة من اسافي ، كانت ملامحها تشير إلى إنها موجوعة ، وعندها فاجعة . وبصوت فيه الكثير من التوسل كشفت لها عن الطفل الذي يحتضر ، ورجتها أن تبحث لها عن بعض الأعشاب المفيدة القادرة على شفاء ابنها .
كانت اسافي تعلم أين توجد تلك الأعشاب ، وفي أي مكان من الغابة ، فتلك الأعشاب تطرد الموت ، وكان بمقدورها أن تحضرها بمجرد أن تمشي قليلا إلى جانب الطريق ، لكن الشابة الهندية الغريبة عن الألم تابعت مشيتها غير مكترثة .
وما أن مشت بضع خطوات حتى ظهرت قوة غريبة ، جعلتها تتوقف ، و من خلف ظهرها سمعت صوت ساحرة القبيلة التي تقمصت الشيطان ، سيد الأعمال الشريرة تقول :
" آنيا يا سيد الظلال اجعل هذه الفتاة الباردة التي لا تواسي عجوزا و لا أمـّا ، اجعلها أن لا تكون أمـّا ولا عجوزاً أبدا ، آنيا ، يا سيدي اجعل هذه المرأة التي بلا قلب والتي لم تبك أبدا ، اجعلها تبكي لمدى الحياة ، آنيا ، اجعل هذه المرأة التي كان عدم بكائها هو سبب المآسي، اجعلها تحيا إلى الأبد ، تبكي ومن خلال بكائها تقدم الخير للآخرين " .
اسافي لم تقدر على سماع أكثر من الكلمة الأولى للساحرة ، وأخذت تتحول رويداً رويداً ، فتغوص أقدامها في الأرض كجذور قاسية ، وتشعر بجسدها يتصلب مثل جذع الشجر ، وصار شعرها مثل الأغصان المليئة بالأوراق .
وبعد انتهاء الساحرة من تقمصها كانت اسافي الجميلة الفاتنة الجمال قد تحولت إلى شجرة خضراء ورطبة ، ومنذ ذلك الوقت تعيش و تحيا وتنمو في الغابات الاستوائية ، هذه الشجرة الكريمة فاعلة الخير التي من أوراقها ينز ندى ناعم ومدرار يرطب الهواء .
اسافي إنها العذراء التي تبكي دائما من اجل حماية الآخرين ببكائها ، فالرجل الذي يصل متعبا ومختنقا من الشمس يشعر أن الشجرة تمنحه العذوبة كهدية . وتبقى تبكي الشجرة ، التي تحمل اسم العذراء الهندية فاتنة الجمال والتي لم تبك أبدا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق