نوفمبر 18، 2010

خليك حشاش



الكفر ابداع و خروج عن المألوف ، و الا كيف نبرر ما وصف القرشيون به محمدا انه" كافر" بألهتهم .، و اكده القران حين وصف المؤمنين الجدد بأنهم "كافرون بالطاغوت" والرعب وازع على النهوض خلافا لاستتباب الامن الوازع الى الدعة والانحلال والجمود ، وبذا وإن طالت مقدمتي لكنها تضعك عزيزي القارئ في الاجواء التي قد تتقبل فيها مقالتي حول "فضائل الحشيش".
لالاف السنين عرفت شعوب اسيا "الصينيون والهنود وحتى المصريون القدماء "نبتة القنب الهندي "اصل الحشيش وانواعه" ووعت الفوائد الجمة التي تتوفر عليها هذه النبتة "العظيمة" ان لم نقل انها الاعظم بين سائر نباتات الارض، فكانت هذه النبتة عونا فريدا لتلك الشعوب على المضي قدما في بقائها وعبر عشرات المنافع التي ظلت ولم تزل تقدمها لتلك الشعوب بسخاء منقطع النظير الى ان جاء جشع " السوبر " النفطي والرأسمالي الامبريالي واذرعه الثقافية في شتى المجالات الدينية منها والتربوية والاعلامية والطبية ليعلنها حربا شعواء على هذه النبتة المباركة بمنطق التوازن الطبيعي.
شركات التبغ والنفط وجدت في الحشيش عدوا لها تماما كما شركات الادوية، صناع الوهم الداعين الى يقظة وعي مؤلم يثور الجماهيري لصالح بناء واقع اخر لهم نصيب الاسد فيه، وجدوا في الحشيش عدوا لهم ايضا، وكذلك مناهضوا "اللاتقليد من التربييين والوعاظ ومن يسعون الى مصادرة حقك عزيزي في الجنون ورؤية العالم كما تحب لا كما ينبغي" كلهم اسهموا بدورهم في تشويه صورة هذه النبتة وفضائلها الغزيرة حتى اكتملت حلقات العصبة لتحريم وتجريم نبتة كان من الممكن ان تسهم عند ازدهارها في تغيير خريطة العالم. من نبتة القنب الهندي استخرج الانسانا اليافها فحاك منها ملابس صحية تقيه شر البرد وحر الصيف، ومن جوفها صنع الحبال والورق، ومن اخشابها بنى مساكن وبيوت صديقة للبيئة واطعم منها جياده ووزن مزاجه واثرى جماله بمستخلصات زيوتها ما اغناه تاليا وعبر اكتفاء ذاتي لا يجتره الى التبعية، وكل ما تنتجه الصناعات الحديثة ، الامر الذي لن يروق ابدا لكروش الغرب ولعابها النتن اللاهث دوما الى امتصاص كل ما يمكن امتصاصه وحتى ما لا يصلح للمص.
مع ان علماء بريطانيون قد اثبتوا ان نبات القنب الذي تستخرج منه مادة الحشيش المخدرة يحتوي على مركب يؤدي إلى التخفيف من آلام مرض التهاب المفاصل الروماتزمي وقالوا إن هذا المركب يمكن أن يستخدم في تحضير دواء أرخص ثمنا من تلك المستخدمة في الوقت الحالي لعلاج التهاب المفاصل الروماتزمي وتوفره على مركبات قادرة على تنشيط جهاز المناعة "ما يبشر بالاسهام في معالجة الايدز"، دون التسبب في أي أعراض جانبية أو آثار مخدر "وبتكلفة زهيدة.." لكن "المصالح" ترفض ان ينتقل مركز الصناعات الدوائية وما تدره من ارباح فلكية، من دول العالم الصناعي الى اواسط اسيا وجنوب بحر قزوين وجنوب جبال الهملايا وكشمير حيث تنبت تلك النبتة بكثافة ناهيك عن "اباطرة" صناعة التبغ وما سيلحق بشركاتهم العملاقة من خسائر فادحة حال تسيدت نبتة الحشيش"الطبيعية" على منتجاتهم "الكيميائية".
ولا ننسى تلك الخسائر التي ستلحق بقطاع النفط وصناعاته الوسيطة وغير الوسيطة، حال الاستغناء عن المواد المشتقة التي دخلت مختلف الصناعات والمنتجات الاساسية من الاقمشة الى الاطعمة والادوية وغيرها.
وعلى ذات الصعيد، يرى استشاريين التأهيل النفسي أن العقبات التي يواجهها في معالجة مدمني الكحول تفوق تلك التي يواجهها في علاج مدمني القنب. و من التجربه فإن هناك معايير عالمية بأن واحد من كل ثلاثة من متعاطي الهيرويين يدمن عليه وواحد من أربعة من متعاطي الكحول يدمن عليه، أما القنب فنسبة إدمانه هي الأقل إذ لا تزيد على واحد من عشرة وهي أيضا أقل من نسبة الأدمان للمدخنين. ويأكدون إنه ومن خلال تعاملهم المهني مع مراكز علمية وبحثية وتأهيلية مرموقة في الدول الصناعية، انحصرت شكاوي المدمنين ليس على القنب نفسه وانما على نوعيته الموجودة حاليا وليس على أثاره.
بات في حكم المسلم ان الطبيعة لا تحتمل المزاح أو العبث، وكلما كان التدخل في "شغلها" كبيرا كان الانتقام وردة الفعل اكبر، تناول الحشيش مع الحلوى لا ينطوي على مخاطر كبيرة، واشعاله بطريقة التدخين ينطوي على مخاطر تساوي مخاطر استنشاق ثاني اكسيد الكربون غير الصالح للاستنشاق، لكن الالاف المدخنين لا يشكلون خطر مصنع واحد يبث الابخرة السامة في الهواء ليفسد الحياة برمتها وبما تحتويه من نبات وحيوان وانسان فضلا عن المناخ العام، وبذلك فإن الخطر والاضرار تكون نسبية، الا ان تدخلت المصالح سالفة الذكر لتسلط الضوء على مخاطر تفاقمها وتغض النظر عن مخاطر اخرى ذات مساس بمستقبل الكون ككل فتهونها. ان ذلك يجعلنا كجماهير "ماشية" كلما ذكر اسم الحشيش جراء التجريم والتحريم، فيما لا نجد ذلك الجزع عند التحدث عن الكحول وتعاطيه، الأن هناك شركات عمالقة ومرخصة من قبل تلك العصابة العالمية يروقها ان يتعاطى الناس الكحول دون الحشيش ؟ الواقع ان الجواب على هذا التسائل ينحصر في طبيعة الحشيش كنبات شعبي مكتفيا بذاته ولا يحتاج الى علوم وتكنولوجيا الغرب.
من باب الطرافة ارغب في القول انه وعند عقد مقارنة بسيطة بين السائق المتعاطي للكحول واخر "محشش" نجد ان الاول يقود سيارته بسرعة جنونية تصل الى 200 كم/ الساعة في حين انه وبتأثير الكحول يشعر بسرعته غير متجاوزة ال 20 كم ما يدل على ان فعل الكحول في جهازه العصبي يعمل على تهوين الامور وتقليص الشعور العام بالواقع المحيط، مقابل ذلك فأن الحشيش يعمل عكسا لذلك من تضخيم الاحساس بالمحيط فيجد السائق بسرعة 20 كم فقط انه منطلق بسرعة كبيرة تصل الى 200 كم، صحيح ان من يقود بهذه السرعة المنخفضة على طريق سريع قد يشكل خطرا عام على الاخرين ايضا.. الا في حالة واحدة، وهي اذا ما كان باقي السائقين يشاركونه نفس المشاعر!
كما هو الحال في دول اوروبا وامريكا حين شاع استخدام الحشيش كموضة بين صفوف الشباب المعارضين للرأسمالية فى الستينيات من القرن الماضى ، حتى اصبح تدخين الحشيش يعتبر نوعا من الكفاح ضد الرأسمالية॥! وقاد هذه الموجة فنانون كبار مثل فرق الغناء الهيبية وغيرهم। فقد الهب تفشي استخدام الافيون "المستورد" الى مصر، الغيرة الوطنية معلنة على لسان احد فنانيها عن دعوته الى العودة للحشيش كمنتج وطني في وجه الغازي الجديد تحت مقولة " مادمت ميت ميت فإختر ميتة وطنية" وفي الوقت الذي زادت فيه حدت امتعاض الشارع العربي من السياسة الامريكية الخارجية تجاه فلسطين والعراق حتى تداعى كله لمقاطعة البضائع الامريكية وفي مقدمتها التبغ والاطعمة السريعة، الا ان تلك المقاطعة لم تجد طريقها الى النجاح والاستمرارية نظرا لغياب المنتجات الوطنية القادرة الى تحقيق الاشباع المطلوب، فمحلات الجزارة في مصر تتورط في بيع لحوم الحمير في حين عجز التبغ المحلي سيئ الصنع والتخزين على تحقيق النشوة التي لا يمكن بلوغها الا بإشاعة الحشيش ودعم صناعته "محليا" تحت رقابة صارمة تمنع العبث به او خلطه بمواد كيميائية ضارة ما سيحد من غشه وتهريبه وهناك التجربة السويسرية ماثلة للعيان .

ــــــــ

اللوحة : زهرة الخشخاش - فان جوخ

نوفمبر 11، 2010

من محاورة لأبي منصور الحلاج


يقول الحلاج

إني أشرح لك لِمَ يختار الرحمن شخوصاً من خلقه ليفرِّق فيهم أقباساً من نوره هذا ، ليكونوا ميزان الكون المعتلّ و يُفيضوا نور الله على فقراء القلب و كما لا ينقصُ نور الله إذا فاض على أهل النعمة لا ينقص نور الموهوبين إذا ما فاض على الفقراء .

فقر الفقراء ، جوع الجوعى ، في أعينهم تتوهّج ألفاظ لا أوقن معناها .، أحياناً أقرأ فيها " ها أنت تراني لكن تخشى أن تبصرني ، لعن الديان نفاقك " ..، أحياناً أقرأ فيها " في عينك يذوي إشفاق تخشى أن يفضح زهوك ليسامحك الرحمن " .، قد تدمع عيني عندئذ ، قد أتألم .، أما ما يملأ قلبي خوفاً ، يضني روحي فزعاً و ندامه .، فهي العينُ المرخاةُ الهدب فوق استفهام جارح " أين الله " .، و المسجونون المصفودون يسوقهمو شرطي مذهوب اللبّ قد أشرع في يده سوطاً لا يعرف مَن في راحته قد وضعه ، من فوق ظهور المسجونين الصرعى قد رفعه ، و رجال و نساء قد فقدوا الحرية ، تخذتهم أرباب من دون الله عبيداً سُخريّا .

لا يعنيني أن يرعوا وُدّي أو ينسوه .، يعنيني أن يرعوا كلماتي .، قد خِبْتُ إذن ، لكن كلماتي ما خابت .، فستأتي آذان تتأمّل إذ تسمع ، تتحدّر منها كلماتي في القلب ، و قلوب تصنع من ألفاظي قُدره ، و تشدّ بها عَصَبَ الأذرع ، و مواكبُ تمشي نحو النور ، و لا ترجع ؛ إلاّ أن تسقى بلُعاب الشمس روح الإنسان المقهور الموجَع .


كيف أميت النور بعيني .، هذي الشمس المحبوسة في ثِنْيات الأيام تثّاقَلُ كل صباح ، ثم تنفّض عن عينيها النوم و مع النوم ، الشفقه .، و تواصل رحلتها الوحشية فوق لطرقات فوق الساحات ، الخانات ، المارستانات ، الحمامات و تجمّع من دنيا محترقة بأصابعها الحمراء النارية .، صورا ، أشباحا ، تنسج منها قمصاناً يجري في ، و سُداها الدم .، في كل مساء تمسح عينيّ بها .، توقظني من سبحات الوجد ، و تعود إلى الحبس المظلم .

ماذا نقموا مني .، أترى نقموا مني أني أتحدّث في خلصائي ، و أقول لهم إن الوالي قلب الأمّه .، هل تصلح إلاّ بصلاحه .، إذا وُلِّيتُم لا تنسوا أن تضعوا خمر السلطة ، في أكواب العدل .، أترى نقموا مني تدبيري رأيي في أمر الناس ؛ إذ أشهدهم يمشون إلى الموت .، لكنّ توجههم للموت يباعدهم عن رب الموت .

ــــــــ

و يقول الشيخ الشبلي له

لا أدري للصوفيِّ صديقاً إلاّ نجوى الليل ، و بكاء الخوف من الدنيا ، و أناشيد الوجد المشبوب و آهات الذلّ ، و فتوح المحبوب بنور الوصل ؛ فإذا ثَقلَتْ في جنبيه الوحدة .، فليلزم أهل الخرقة ، أبناء الفاقة .، ممن قَنَعوا باليأس عن الآمال .، طرحوا الإنكار ببحر التسليم .، حجبوا عن أعينهم همّ الرؤيهْ .، فرأوا ما لم تره العين . قُل لي يا حلاج : أَوثِقت بأن وجوه الأمّة ممن تعرف .، إن وُلُّوا ظلّوا أهل مودّة .