يوليو 09، 2010

استخلاص الضوء من الروح ، بتول الفكيكي


لا ينسحب اللون من اللوحة إلا إذا أراد صانع التكوين التشكيلي غيابه ، و لن ينسحب إلا إذا صار لدى الفنان حس مختلف يطير في المطلق باحثا عن شبق جديد و إحساس آخر لظهور اللون على لوحته ، فتصيبك بدهشة غياب اللون لوحات التشكيلية بتول الفكيكي إذ يصير الضوء هو الباعث الأول لظهور اللون و ليس اللون في حد ذاته ، قد يتسم الفن التشكيلي العراقي بتلك الحرفية في إظهار تأثير اللون و حفر مجرى له داخل إطار هلامي للوحة إلا أن التشكيلية البديعة بتول الفكيكي تأخذ منحى مختلف بعيدا عن المدرسة العراقية في مزج مختلف للون باعتباره أداة وصف للشعور و ليس ردة فعل للعين ، تستخدم اللون بمنطق داخلي يختزل المسافة بين العين و العقل ليمنح فرصة جيدة لا للإبهار لكن للبحث عن معطيات لوحتها و ما يمكن أن تقدمه من دهشة مخزونة تطفح بما تود قوله و ما تسعى لأن تعلنه من فضيحة شعورية هنا أو هناك ، تستخدم اللون المنسحب من التأثير البصري ليوضّح مدى العلاقة بين شعورها و عمقها النفسي و بين ما يظهر على الإطار الهلامي للوحة .
أشعر أنه لا لون في لوحات الفكيكي إذ أتصور الأحمر أسود و الأخضر أصفر باهت ، هذا ما أصابني بالدهشة و مازال عند مراقبة لوحة أو لوحتين لها ، تتداخل الألوان لتعبّر عن تناقض رهيب بين الاستخدام التاريخي للون و التكوين الذي بحثت عنه الفكيكي لأنه في الأساس ليعبر عنها إذ ابتعدت عن تشكيل متهم بالغوص و الإغراق في التعقيد لتبيح رمزية الذات و السؤال الفلسفي العميق بداخلها و لتعبر عن ميثيولوجيا و ثقافة مازالت تسيطر على لوحاتها لتحتفظ بشكلها بعيدا عن إغراءات الحداثة و ما بعدها لكن روح اللوحة النابع من تشكيل شفاف و عشق للضوء قبل اللون ليسرد دون فاصل زماني أو مكاني نسيج ثقافتها بالرغم من استنادها للمثيولوجيا أكثر من البحث عن التأصيل للحضارة الآنية لأنها تبحث عن ما تريد أن تشعر به لا ما يراد له أن يكون ، هنا تظهر حرية اللوحة بعيدا عن نقاش قضية التشكيل الحديث لتذهب بلوحاتها بعيدا كعزلة الفضاء البصري في لوحاتها .
تدخل لتجذب روحك بأصابعها الفنانة ، تعرف جيدا بوعيها المطلق في بناء اللوحة كيف ستجذب العين لنقطة الوضوح و الشفافية التي تقصدها ، و بلاوعيها تختزن كل الطاقات الممكنة لطرح إحالات مختلفة و متفرعة لتحصد في النهاية لوحة يمكنها أن تعبّر عن طاقة مخزونة تسرد حكايتها مع العالم و عذابات الواقع بين الأرض الوطن و ما يشغله من حيّز ضخم و بين منفى اختارته و تفاعلت معه لتنتج مزيج لم يتأثر بثقافة مختلفة لكنه مهّد لتصوير ميثيولوجيا بحثت عنها طويلا فيما قبل ، بين البابلية و الآشورية و رمزيتهما البصرية العملاقة .
بين لوحة و لوحة ثمة علاقة ، ديناميكية التشكيل هي ما تحيل إلى تلك العلاقة حيث ترى اقتطاع لوحة من لوحة تكامل لوحة بلوحة ، و كأنها فصول رواية تبحث الفكيكي عن رصدها و تشكيلها للعالم ، إلا أن العالم الذي ترصده مجمّعا في لوحة من لوحاتها لا يؤمن بروايتها في لوحة أخرى لتخرج مشروخة كشروخ الوطن الذي خرجت منه الفكيكي بكل طاقتها البديعة في استخدام الضوء ليعبّر كمرايا عن داخلها و عمقها الإنساني المتناقض حتما و قلقها المستمر قبل خروج اللوحة من حيّز البناء إلى حيّز المتابعة ، صورة مطابقة لنشيجها الملحمي تنبثق بين لوحة و أخرى ، في جمود الموت يمكن أن تحوّل الفكيكي الصورة البصرية من خلال استخدام الألوان المتفرعة و الخارجة لتوها من رحم الأرض و ترابها و بديناميكية و طراوة الحس يتحول العنصر الميت إلى عنصر فعال يروي ككل عناصر السرد التشكيلي لدى الفنانة البديعة بتول الفكيكي ، بالرغم من أن نقوشها لدعم الحركة تمثل تيار كبير داخل تشكيلها إلا أنها تصدمك لوهلة بجمود و شلل عنصرها السردي في لوحة ما لتثبت أنها تعبّر عن عالم يتسم بالحركة و الثبات و توارد الزمن و المكان و باختفائهما أيضا ، تؤكد على أن اللون يمكنه توضيح و إخفاء معالم المسرودة التشكيلية .
وجوه ، سواقي ، حروف .، جميعها عناصر تفهم جيدا طرقها للوحة بمجرد أن تستعد الفكيكي لطرح تساؤل جديد على إطار أبيض ، لحظتها يصبح على عاتقها كسر الإطار المحدود للون الأبيض على قطعة القماش أو الورق أو الجدار الذي سيصبح حكاية جديدة فتصنع إطارها الهلامي الممتد من مكان غير مفهوم و غير مرئي من الضوء الممزوج بلونها المسيطر على اللاوعي و الشعور العمق لحظة البداية ، يمكنه أن يتفرع و أن يختفي و أن يتسق مع الضوء و يتأثر به و يؤثر في اتجاهه ليعبّر كما تعبّر عناصر الوجه أو الحرف عن حكاية التشكيل الذي تبتغيه ، ربما تجده يتسق مع ذاتك أو لا يتسق لكن في النهاية عندما تفتح مجرى لروحك داخل اللوحة لتلج إليها يمكنك أن تطرح مثلها تساؤلاتك عن العالم و عن التاريخ الذي تحمله اللوحة ، فقد يكون وجه الفكيكي هو نفسه الوجه العنصر في اللوحة لكنه وجه من وجوهها المخفيه كطبقات في الروح ، أشعر أمام كل وجه في لوحاتها أنني أمامها هي ذاتها بكل تفاصيل و عناصر وجهها لكنه يحمل شعور واحد و كأنها أخذت قطاع طولي في روحها لتظهر الوجه على اللوحة بشعور منخلع من كل شعورها ، و قليلا ما تجد عناصر متعددة في لوحاتها ، فالعزلة سمة خفية بين ثنيات الإطار الهلامي للوحة .
حين تضج اللوحة بمجموعة عناصر من السرد التفصيلي للحكاية الموشومة ، يتأكد أن بتول تحكي ميثيولوجيا و لكنها حين تنعزل فهي تحكي ذاتها ، و في كلا الحالتين فهي تسرد تشكيل مبهر معتمد على الجذور اليقينية التي تؤمن بها و تود أن تسود العالم مستخدمة في ذلك عمق لوحاتها لتصل لعقل المتلقّي البصري .
الانبثاق والتكشف المتأني للشكل ، و تعاقب منظومة الأشكال بديمومة في مختلف موضوعاتها دون الإشارة إليها بالاسم ، و إنما وصفها و تحليلها و محاكمتها و تقديرها. بمعنى أن وحدة إبلاغاتها المتعلقة بالميثولوجيا لا تنبني على موضوع بالميثولوجيا ، أو على نشأتها في أفق وحيد الموضوعية ، بقدر ما هي فكرة تسمح بإمكانية ظهور الموضوعات و المضامين الإنسانية التي تشتغل عليها.
لقد لاح لي أن تشكيلاتها تتميز بأسلوب شكلي محدد و بخصائص و سمات أسلوبية ثابتة تطبع طريقتها في التعبير أكثر من تفردها بموضوعاتها و مفاهيمها. مما يؤكد أن فنون الحداثة و ما بعدها لم تعد قائمة على مجموعة من القواعد و النظم الأكاديمية ، و المقولات القبلية المتعارف عليها و وصفاتها الجاهزة . و إنما أصبحت تستند إلى رؤية الفنان الذاتية و استعاراته المجازية المنسجمة مع طبيعة الأشياء لا الأشياء ذاتها، و تنظيمها في الحقل الإدراكي حسب ما هو معروف عنها لا هو منظور منها.
لهذا لم تكن تعبيرية الفكيكي تعبيرية وصفية محضة ، و إنما هي تعبيرية انفعالية ذاتية ، أعادت فيها قراءة ما هو معطى في الواقع و أعادت بناءه بعد تحليل ، و لكن ليس على شاكلته القديمة و إنما برؤية جديدة بفعل تغيير موقعها كذات مفكرة و ليست ذاتاً تكتفي بالنظر ، فجاءت متحولاتها الشكلية على وفق نظام تعبيري مقنن بأسلوب يتلاشى الشكل الواقعي فيه بمجرد ظهوره .
جسد مبتور ، جسد ناقص ، جسد متكاثف و جسد آخر داخل الجسد ، هكذا طاوع الجسد و الوشم الإنساني ريشتها لتعرف كيف تقص آلمها الموروثة و الحضارية في آن واحد ، هي إذا تعرف و بوعي كامل يكاد ينقلب إلى لا وعي بماهية الجسد العنصر المهم الذي طرحت به المبدعة بتول الفكيكي عدة تساؤلات هامة حول ماهية الجسد و دخوله عوالم أخرى تكاد الروح تدبّ فيه لتظهره كائن حي لكنه كائن ليس مبتور بالشكل الفيزيقي و لكنه مبتور بالحس ، أي أنه مصاب بحالة من الشيزوفرينا ، هذه النفسية المعقدة التي تظهر جلية في عنصر الجسد المتصف بأنه أنثوي و خصب بثقافته الضاربة بعمق الأصول و المتضاربة بعمق النفي .
الإطار الهلامي الذي يضم كل تلك العناصر هو روح المبدعة التي لا تنفك من بناء تشكيلها إلا و فكّرت في إعادة بنائه ، أشعر أن ثمة تعديلات متتالية طرأت على اللوحة النص لتعيد بنائها أو لتصير لوحة أخرى و هذا يؤكده توالي الفكرة في لوحات مختلفة و امتزاج المضمون العقلي و الفلسفي للمبدعة التشكيلية بكل عناصر لوحاتها لتنتج في النهاية على ما يبدو أنها فكرت في ذلك نص كامل معتمد على وحدة عضوية و وحدة الروح التي هي في الأصل خلقت لتزيح الستار عن روح الفكيكي التي تصمم على انتهاء تجربتها في كل لوحة إلا أنها تبزغ من جديد لتؤكد على اتساقها مع رأسها و جسدها و روحها .
ـــــــ



ببليوغرافيا
ـــــــ
بتول الفكيكي
فنانة تشكيلية عراقية من مواليد بغداد
تقيم في لندن
الرسم بالزيت ع القماش
ألوان ماء و حبر
معارض فرديه

•2005- معرض شخصي- قاعة أبن الظاهر- المجمع الثقافي- أبو ظبي
•2004- معرض شخصي-قاعة الأورفلي-عمان- الأردن.
•2000-معرض شخصي-قاعة ألرواق-ألبحرين.
•1998-معرض شخصي- قاعة ألدكتور كريستيان هايدن ، ترونستاين- ميونخ-ألمانيا
•1997-معرض شخصي- رواق بلدنا-عمان- ألأردن
•1994-معرض شخصي- صيدا أنتيريورز- لندن.
معارض جماعية

•2003-معرض العالم العربي الإبداعي- قصر اليونسكو - بيروت
•2001- معرض الفن العراقي و الروح العراقية - لندن.
•1999-2000- حوار الحاضر-أعمال (18) فنانه عربيه
•هوت باث كليري - باث - مركز بليموث للفنون - بليموث
•كليري بروناي - جامعة لندن - كاليري جامعة برايتونز.
•1999-أطفال ألمستقبل- باشنجر مانور و كليري لندن.
•1998-المعرض الدولي الحادي عشر للفنون ألجميله – المحرز- تونس. و جائزة ألشراع ألذهبي
•1997-المعرض الدولي للفنون – المحرس- تونس.
•1995-معرض الطفل الفلسطيني- دبي-الأمارات العربية المتحدة.
•1995-معرض الفنانين العرب- غرفة التجارة العربية – البريطانية – لندن.
•1993 معرض الفن العراقي –كليري الأورفلي – بغداد.
•1992-معرض الفن العراقي الحديث - المركز الثقافي ألملكي-الأردن.
•1991- معرض مشترك مع الفنان إبراهيم العبدلي- المركز الثقافي الملكي-ألأردن.
•1990- معرض الفنانات العراقيات - البرازيل.
•1990-معرض الفن العراقي الحديث - إتحاد فناني العراق - ايطاليا.
•1985-الاحتفال الدولي الثاني – البينالي - بغداد.
•1985-معرض الفنون التخطيطية - كليري الرواق - بغداد.
•1980- معرض الفن العراقي الحديث - عمان - الأردن.
•1980-معرض الفنانات العراقيات – المتحف الوطني للفن الحديث - بغداد.
•1979-معرض الفن و الثورة - بغداد .
•1976-معرض الفن العراقي الحديث – باريس - بون- لندن.
•1975-معرض الفنانات العراقيات - الكويت- مدريد- فينا- ايطاليا.
•1974-معرض الفن العراقي المتنقل-باريس - دمشق- الكويت.
•1973-احتفالات الواسطي- المتحف الوطني للفن الحديث- بغداد
الأعمال

•جداريه في المطار الدولي (2-7)م 1983. بغداد - العراق.
•جداريه في دار الأزياء العراقية-(2-4)م 1984
•عدة جداريات في مدارس حديثه في بغداد في مجمعات سكنيه - (1-30)م 1985.
•جداريه لمدخل ميناء المحرس البحري - 1998.
•متحف الفن الحديث - عمان - الأردن
•متحف الفن الحديث - كولبنكيان - بغداد .
•مستشفى الأنف والأذن والحنجرة – تروبنشتاين- ألمانيا-1998
•المجمع الثقافي – أبو ظبي- 2005.
•مجموعة أعمال لشركات في لندن وبيروت وعمان2001
ــــــ
موقع التشكيلية بتول الفكيكي
www.betoolfekaiki.com

يوليو 06، 2010

صورة الرفض وسيلة بازوليني


رغم ان عبقريته الفريدة يجب أن تُعتبر فطريَّة و أصيلة ، إلا ان بإمكاننا رؤية ان ظروف نشأته قد ألهبتها و شكَّلتها ، خاصة إجلاءه خلال الحرب العالمية الثانية ، مخرج سينمائي نزل من سماء الشعر و المسرح ، تعددت نشاطاته الابداعية ، فهو شاعر ، روائي ، ناقد و رسام . عانى الفقر و التشرد خلال طفولته و شبابه . وصل أخيرا الى روما مع والدته . أقام في شقة بائسة في احدى المناطق الشعبية الفقيرة ، ثم انطلق في فضاء الفن و الابداع . تعتبر أعماله حاليا مرجعاً و منهلاً فلسفياً و جمالياً لطلبة الفن و الأدب و السياسة و علم الاجتماع .
عاش بين فلاحين انحدرت أمُّه من صفوفهم و في الحديث عن أُمِّه يصف بازوليني هذه الروحيَّة بأنها شِعريَّة و طبيعيَّة علي نحوٍ صِرف . لقد كان من خلال هذا الحسِّ الصوفيِّ المشترَك ، أو الشمولي ، بالإدراك الروحي ان انجذب بازوليني ليحارِب مع الفلاحين في نضالهم ضد مُلاَّك الأرض الأغنياء ، و أن يصبح في آخر الأمر شيوعيَّاً و هو غير واعٍ في ذلك الحين للصراع الأساسي في الكوزمولوجيا بين الماديَّة الجدليَّة و إحساسه الأكثر روحية بالأشياء . و إلي درجةٍ ما وجد بازوليني حلاً للتَّوتِّر المحتوم بين هذين المنظورين في كتابات أنطونيو غرامشي ، و هو ماركسيٌّ حَلَّل القوي الثقافية بالإضافة إلي القوي الاقتصادية للتاريخ . و مع ذلك فإن ماركسيَّة بازوليني ، علي الرغم من أهميتها ، ظلَّت وجهاً واحداً فقط من موقفه الشامل من العالم الإنساني ، و وظيفةً لموقفه الفنيِّ و الروحيِّ ، و ليست مُحرّكه الأساسي ، و كنتيجة لذلك فإنه في محاولة فهم أفلام بازوليني لا يمكن التغاضي أبداً عن حساسيته الروحيَّة’ فهي تسبِقُ و تُغَلِّف صِلاته الماركسيَّة بنتيجة ان أفلامه لا يمكن أن تُعامل بالافتراض الساذج انها ـ أو انها ينبغي أن تكون ـ تصريحات سياسيَّة عُنِيَ بها إيضاح الأيديولوجيا الماركسيَّة . ففي معظم الحالات تُغْمَرُ الأبعاد السياسيَّة لأفلامه في القلب الدرامي للسرد . إن ما يأخذه بازوليني من ماركس هو نقده للعقلية الرأسماليَّة ، و تحديداً تنقيصها الإنسان إلي نتاجٍ ، سلعة ما . و يشاطره كذلك في ان درجة الحريَّة في مجتمعٍ ما هي علي نحوٍ كبير مقياس لحرية نسائه . و هكذا فإن في كل موضع من آثار بازوليني هنالك حس قوي بأن استغلال الإنسان للإنسان المتأصل في الاقتصاد الرأسمالي - علي الأقل بالنسبة إلي بازوليني - يبدأ باستغلال الرجال للنساء . إن علاقة عاهرة بقَوَّاد تصبح نموذجاً محدِّدَاً للعلاقات الجنسية عموماً ؛ فالنساء في كل من أكتوني و ماما روما مستَغَلات باعتبارهن وسيلة لإعالة الرجال . إن من الصعب علي بازوليني أن يتصور قصة تحرير ذاتي ناجحة لا تكون كذلك قصة لتحرير المرأة . و هكذا فإن فيلمه الأكثر إيجابية ، الليالي العربيَّة هو من الناحية السياسية قصة عبدة تنتصر علي عالم يهيمن عليه الذكور .
بالنسبة إلى بازوليني ، اللغة الأدبية وسيلة للتواصل ، أما اللغة السينمائية فهي لغة صورية بحتة ، الصورة السينمائية تأخذ شكل الاشارة . من السهل جمع الكلمات في قاموس ، لكن من المستحيل فعل قاموس لجميع الصور . نتيجة لهذا لا يمكننا وضع قواعد محددة لخلق الصورة السينمائية . السينما ، اذاً ، ليست وصفاً أو سرداً أدبياً ، بل هي فن شعري مستقل له أدواته التعبيرية الخاصة و ليست جزءاً أو نوعاً أدبيا .
من وجهة نظر هذا المفكر ، تسقط السينما للحضيض عندما تكون أداة في يد البرجوازية ، و عندما تتخذ اللغة و الاسلوب الادبي كأداة لعرض الصورة السينمائية .
بازوليني ، يخرج أفلامه معتمدا على أسلوبه الخاص الذي يسميه الجدل الحر غير المباشر أو الذاتي الحر غير المباشر ، بذلك تصبح السينما شعرا . هذا الأسلوب يمكننا رؤية الاشياء و الاحداث من وجهة نظر الشخصيات ، هو تعمق في روح الشخصيات ، هو ابحار في الحلم و اللاوعي للشخصيات ، يصبح لدينا احساس بالكاميرا التي تأخذ مكان الشخصية ، تركض بدلا منه ، ترى الاشياء و المناظر من زواية عين الشخصية .
السينما تكتسب اللغة الشعرية ، عندما تصبح وسيلة تعبير حقيقية للواقع ، و قراءة ما وراء هذا الواقع ، و ليس مجرد عرض السطح الهش و الزائف . السينما ايغال في عمق الأسطورة ، باعتبار الأسطورة الخيال الطفولي للانسانية ، الحقيقة ليست في حلم واحد ، بل في مجموعة الأحلام الانسانية .
في بداية فيلم " أوديب ملكا " نرى من بعيد ميلاد طفل . هذه اللقطة تصور ميلاد بازوليني في العشرينات من القرن العشرين . نرى الطفل بعدها في حديقة ، تركض أمه مع صديقاتها ، نرى الطبيعة من وجهة نظر هذا الطفل ، تعود الأم لاحتضان طفلها ، تنظر اليه ، ثم تنظر الينا ، نرى الخوف و القلق على وجهها ، هنا بازوليني يكسر الحاجز بين الشخصية و المتفرج ، هذه النظرات هي ارتداد ، تتحول الشخصية و تأخذ دور المتفرج ، تصبح هي شاهد على المتفرج . الشخصية ليست مجرد صورة متحركة ، هي روح قلقة و مضطربة تحاول نقل هذا القلق ، بل خلق القلق و الخوف في نفس و روح المتفرج .
تترك الأم طفلها الرضيع مرة أخرى ثم تركض مع صديقاتها ، نرى بعدها الطفل موضوعاً في عربة أطفال . تظهر صورة رجل بلباس عسكري ، يتبادل الطفل مع الرجل النظرات ، نرى ملامح الغضب و الازدراء على وجه الرجل و هو أب هذا الطفل . في المشاهد التالية في الجزء الأول من الفيلم نرى الأب و الأم في غرفة مستقلة يمارسان الجنس . يشعر الطفل بالخوف ، يترك سريره ليتلصص على غرفة أبويه . يصرخ الطفل نرى مفرقعات في السماء ، يشعر الأب بالغيظ ، نراه يأتي ليجر الطفل من قدميه . حتى هذه اللحظة لا نعرف ما حكاية هذا الطفل و ما مصيره .
كان هذا الفيلم مناسبة جيدة للمخرج لعرض سيرته الذاتية في قالب فني تشكيلي ، من أجل انارة الحقيقة بالاعتماد على الاسطورة . الفيلم كان بمثابة فرصة لعرض قضية مهمة هي حرية الانسان مقابل القدر .
يؤكد بازوليني في احدى حواراته : أنا هذا الطفل ، أبوه هو أبي و أمه هي أمي . أبوه يقوم بجره من قدميه من اجل إِخصائه و إِفقادهِ القدرة الجنسية .
ننتقل الى الجزء الثاني من الواقع إِلى الاسطورة ، نرى أوديب معلقاً من قدميه ِ، مربوط اليدين ، عاري الجسد ، يتركه الجندي في الصحراءِ وحيداً . الموت يهدده و يحيط بهِ من كل جانب . نسمع صراخ الطفل للمرةِ الاولى . هذا الصراخ تعبير عن رفضهِ الإِنفصال عن جسد أمه التي يحبها ، هو رفض عن التنازل بجسد الأٌم للأب . جسد الطفل العاري يخوض معركة صعبة مع طبيعة قاسية . السماء هي الاخرى يُحلق الموت فيها . ان القدر يسخر من وهن هذا الانسان الضعيف .
منذ هذه اللحظة تظهر الألوان القريبة من لون بشرة جسد الإِنسان ، اللون الرمادي و الأسمر و الأسود . بازوليني يجمع و يخلط بين الألوان لخلق سحر خاص ، لإِثارة المتفرج و دفعه الى بوابة الحلم المطلق . في الجزء الثاني الذي يدور بالزمن الاسطوري ، الجسد الإِنساني جزء من الطبيعة ، الملابس أشبه بقناع . هنا بازوليني يعرض حقيقة المخلوق بضُعفهِ أمام القدر و قسوة الطبيعة ، فهل ينتصر الموت على الحياة .
نرى طيورا جارحة تُحلق بالسماء نراها من وجهة نظر هذا الطفل الصغير الضعيف . هنا جسد مهدد بالموت و روح تطمح بالحياة ثم الإِنتقام من سلطة الاب و جبروته .
لحظات حرجه ، كل جزء من الثانية لها قيمتها ، صراخ الطفل يحاول تمزيق الخوف ، يدخلنا في عمق الزمن الأسطوري برعبهِ و وحشيتهِ .
الجسد الانساني عارٍ و كذلك الطبيعة ، التعرية لإِظهار حدث عنيف أو رغبة جنسية . هنا مناسبة لإِظهار كيفية بداية الكون . آدم كان عاريا ، لكنه لم يحس بحقيقتهِ إِلا عندما دفعته حواء للتفكير برغبة الخلود ، اللذة هي بوابة الخلود ، لكن هل يمكن الشعور باللذة من دون الشعور بقداسة الجسد .
يسوق القدر أحد الرعاة ليلتقط الطفل ، يرفعه للسماء ، يحمله ، يركض به إِلى الملك ، يفرح به هذا الملك ليعلن أنه هبة السماء . هل السماء كريمة لتلقي بالسعادة للانسان ، هل سيكون هذا الطفل مصدر سعادة أم شقاء لهذه الارض و العالم الجديد .
عندما نقف أمام سينما بازوليني ، نحن أمام مجموعة من الدلالات ، تغوص بنا في فضاءات أسطورية ، تعيدنا للحظة الأولى لنقطة البداية و هي أيضا تعبر عن الواقع ، بازوليني لا يتخلى عن الواقع لصالح الأسطورة و في الوقت نفسه الأسطورة ليست مجرد ممر للواقع .
نرى أوديب شاباً يافعاً يلعب مع أقرانه ، يحاول انتزاع النصر ، يركض للحصول على التاج ، يستخدم الخداع و قوتهِ الجسدية ، للشعور بالتمييز ، يغش و يخدع و هو على استعداد لسفك الدماء للتمرد على القدر . القميص الاحمر الذي يرفعه هو استعارة للتمرد و العنف ، هو لا يعي حقيقتهِ كلقيط ، هو لا يعترف بالحقيقة و ليس لديه استعداد لمعرفتها .
الجسد في هذا الفيلم هو أيقونه ، هو دلالة للروح ، هو نافذة للتوغل بدواخل النفس الإِنسانية بتعقيداتها ، بغموضها ، بعنفها الوحشي و حلمها بالسعادة و الخلود .
يظهر أوديب ليعلن حلما غريبا و مقلقا . لا بد من خوض رحلة شاقة إِلى دلف لمعرفة الحقيقة . يظهر أوديب بلباس أحمر . إِنه لون الدم يغطي الجسد . أوديب يساق لمصير بائس ، سوف ينفصل مرة أخرى عن عالم تربى فيه ، نراه يغادر بلباس أبيض ، كأنه يحمل كفنه ، هي رحلة للحقيقة أم لعالم الموت .
يصل أوديب الى دلف . نرى جموعا كثيرة من الناس . نرى اهتزازا بالصورة . يقدم هنا المخرج الزمان و المكان من وجهة نظر شخصيته . نحن لسنا في أجواء أسطورية ، أو واقع مضطرب . بازوليني ، ينقلنا إلى عالم ميتافيزيقي . هذه الصورة يمكننا أن نحسها كتقديم ليوم الحساب ، حيث الخلائق تنتظر كلمة الفصل . كل مخلوق ينتظر إِما سعادة أو تعاسة أبدية .
و عندما يقترب أوديب من الكاهن ليعرف تفسير حلمه ، نرى الكاهن من وجهة نظر الشخصية ، رجلا بجسد نحيل ، أعمى يجلس تحت شجرة ، صورة هذا الرجل يمكننا فهمها بانها إِستعارة لفكرة الإِله من وجهة نظر السينمائي الملحد ، من صنع قوة و هيمنة هذا الإِله هو خيال الناس الفقراء و الضعفاء .
يُصاب أوديب بالدهشة عندما يعلم أنه سيقتل أباه و يتزوج أمه ، لكن القدر لا يقبل النقاش . يطرده الكاهن ، على أوديب الإِستسلام لقدره أو مقاومته . يسير أوديب ضد ضوء الشمس ، فنرى الصور غير واضحة ، نحن نرى المشهد من وجهة نظر شخص أُصيب بجزء من العمى . مرة أخرى نرى أوديب ضائعاً في الصحراء . جسد و روح تعاني الإِضطراب ، لكن أوديب يقرر التمرد ضد قدره ، يحاول إِختيار جهة أخرى غير مملكة كورنته فهو لا يريد قتل ملك كورنته الذي رباه أو يتزوج الملكه التي منحته الحب و حنان الأم .
في مرحلة الضياع في الصحراء يزور أوديب عدة قرى . بازوليني ، يعشق إِظهار الفقراء و البؤساء ، أجسادا ضعيفة بكل ألوان الطبيعة ، رغم قسوة الحياة إلا أنهم يرقصون و يغنون و يتزوجون . هذا العرض هو إِظهار لبشاعة البرجوازية . ما يبحث عنه بازوليني هو الروح الإِنسانية الصافية التي لم تدنسها مادية حضارة اليوم .
يسوق القدر أوديب لطريق ضيق يؤدي الى مدينة طيبة . هنا يلتقي بموكب الملك لايوس ، أبيه الحقيقي ، يرفض أوديب الإِبتعاد من الطريق ، يفقد أعصابه ، يقتل بوحشية الحرس الملكي ، ثم يقتل أباه ، نرى أغلب الصور من بعيد ، أو نراها غير واضحة ، بسبب ضوء الشمس ، هذا التشويه مقصود ، إِعماء عين المتفرج خلال هذا الحدث العنيف .
اختار أوديب طريقاً ضد إِرادة الآلهة و القدر ، من أجل معرفة الحقيقة . هذا الاختيار هو تمرد و عدم إِكتراث بالقدر . هو رفض للطريقة التي تحكم بها هذه الآلهة مصير الإِنسان ، لكن القدر ينتقم منه بزجه لخوض جريمة بشعة . نحن لسنا أمام صراع بين شخصيات . هنا مخلوق إِنساني يصارع العالم الميتافيزيقي بكل قوة و عنف .
الأب هنا دلالة للطوطم الذي إحتفظ بالسلطة و الجنس لنفسه و حرم الابن من الأم و الحنان ، و زجّ به في متاهة الضياع و الحرمان . هذا القتل البشع لإِستعادة جسد الأم و الإِستحواذ على السلطة من يد قوة الأب الديكتاتورية .
يواصل أوديب رحلته باتجاه طيبة ، يلتقي أهالي المدينة ، و هم يغادرون مدينتهم فراراً من وحش دمر سعادتهم . يقوم أوديب بقتل هذا الكائن ، تستعيد المدينة سعادتها ، و يصبح أوديب زوج الملكة و صاحب السلطة بتتويجه ملكاً .
في هذه المشاهد ، يستغل بازوليني الجسد الإِنساني ، مستخدما جموع الاهالي لرسم لوحات تشكيلية و خطوط مستقيمة و متعرجة ، المجاميع بملابسهم و حركتهم ، السير باتجاه العمق ، أو التقدم العشوائي باتجاه الكاميرا ، هذا الإِجراء أشبه باسلوب تشكيلي ، رسم لوحة ثم مسح و تعديل بعض أجزائها .
شي أخر مهم لا نرى وحشاً بشعاً ، أوديب يقتل شخصاً ، يضع فوق رأسه قبعة غريبة . ما يود قوله بازوليني ، إِن الخيال الإِنساني هو من صنع العالم الميتافيزيقي و أعطاه القداسة . هو الخوف من كان و مازال يتحكم بالمصير الإِنساني .
لا تستمر سعادة أوديب و هو في أحضان زوجته جوسيكا طويلاً ، يصيب المدينة مرض الطاعون ، هي لعنة السماء للإِنتقام من قاتل لايوس . من هو هذا المجرم ، يأتي النبي صاحب الحكمة . رجل أعمى هزيل الجسد ، يمتلك مفاتيح الغيب ، بعد جدل طويل . يُصرح هذا الرجل بالحقيقة ، أوديب هو المذنب قاتل أبيه و زوج أمه . أوديب يرفض الإِعتراف و يكابر للتمسك بالسلطة و اللذة ، يستمر في معاشرة الملكة ، تنكشف الحقيقة في النهاية ، تنتحر الأم ، و يفقأ أوديب عينيه ، نراه في الجزء الاخير من الفيلم في شوارع روما في الزمن الحديث بالستينات ، في المشهد الاخير ، يعود إلى نقطة البداية في المكان نفسه الذي ولد فيه ، هي عودة لجسد الام التي فقدها .
بازوليني هذا الفيلم يقدم شهادتهِ على الواقع ، مرض الطاعون هو إستعارة لجرائم الحروب في العصر الحديث . نرى إِصرارا من الكاميرا بعرض الاجساد الميتة . نرى البثور و قد شوهت جمال الجسد و الوجه الإِنساني ، كان الطعون في العصور البدائية الى القرون الوسطى هو أبشع صور للموت ، لكن في العصر الحديث ، ابتكرت الانانية البورجوازية ، القنبلة الذرية و أسلحة فتاكة اكثر قسوةً و بشاعةً من الطاعون ، الضحية هي الطبقة البروليتارية .
يستخدم المخرج اللون الأسود و الأبيض بشكل ديناميكي ، لرسم الالم و البؤس و قسوة الموت ، هذا الإِستخدام ليس مجرد أسلوب جمالي ، الاهم من ذلك التأثير النفسي لدى المتفرج ، في هذا الفيلم بازوليني ، قدم سيرته الذاتية متأثراً بسيجموند فرويد و تفسيره لهذه الاسطورة ، الاسطورة هنا ليست وسيلة للمقارنة بين الماضي و الحاضر،هي هنا من اجل إِحداث نوع من الإِزعاج و الإِرباك للواقع ، فعل و فتح باب الجدل حول الواقع.
جسد الأم المنتحرة ليس لدلالة على ضياع و موت الأم بما تمثله من قيمة إِجتماعية ، اندثار هذا الجسد هو للدلالة على فقد شي مقدس ، أجساد اهل المدينة يتم رميها بالنار، قد يفهم البعض أنها تاكيد لفكرة ألفناء بعد الموت من وجهة نظر ملحد ، لكنها أيضاً تصوير لبشاعة الحرب التي تدمر كل ما هو مقدس ، كونها تغتال الروح ، تُشوه جمال الإنسان.

يوليو 02، 2010

عن أفق لعبة وجودية صميمة


البحث عن قوالب جديدة للتفكير يستتبع بالضرورة افتراض مجموعة من الخطوات النظرية تتأرجح بين المماهاة و الاختلاف و التماثل و التجاوز ، التموقع و كذا نحت أبعاد زمانية أخرى تجعل من لحظة الحاضر مجرد مصطلح مفهومي ، يتوخى منه إيجاد ركائز مفترضة للعبة وجودية لا توجد أصلا إلا في عقولنا .

كل شيء يستحق الانتباه ، حتى طريقتنا في الأكل لأن الذات محكومة بمنظومة سلوكية ترتبط بحمولة معرفية معينة . و في نفس الآن ، فإنه لا شيء يمكن أن يبتغي لذاته قيمة تحديدية ، مادامت الإخفاقات و التلاشيات و كذا الانهيارات تبقى التأسيس الوجودي لزمان ذاتي قدر ما تتوخى منه هو : موتنا .

أي لعبة فكرية يمكنها إذن إيجاد سبل لهذا الاختلاف / التأسيس ، بمعنى السلب الذي يتشكل داخل منظومة لها قوام الزمان و المكان . وحده الفكر المتسائل يمكنه الكشف عن كل ما يؤسس الوهمي ، ذلك الذي يجعل من المظلة الوجودية شجرة لأحلامنا . و السؤال ليس حصيلة معرفية لملاحظات قبلية و لا موعظة نظرية نتدرب عليها مثلما نمارس رياضية يومية ، و لا حتى تنميقا مفهوميا واعيا أو لاواعيا لأزمة وجودية – مادام أن الإخفاق وحده مؤشرنا إلى جدلية التحقق و الانهيار – السؤال هو جسدنا العاري ، تحدده كيمياء الولادة و الموت . بدون السؤال سيظل الوجود لعبة قذرة تسقط على رؤوسنا فتجعل من أجسادنا بقايا لمقدمات تعلن منذ الوهلة الأولى ، على أن الرحلة ستكون هذه المرة يائسة .

تصنف المؤسسة التعليمية كل فكر يلهث وراء موته بالعدمية ، و تحدد كل اشتغال نظري لا يجد لذاته قواعد الإرساء بالفلسفة ، أي تلك الأعمدة المفاهيمية التي تنصب المشانق في كل مكان حتى تعطي للحياة دورتها الكاملة . العقول الكبيرة تخشى على نفسها تيبس الشرايين ، فيحولها ذلك إلى مجرد شحنة انفعالية لممكنات لم تجد بعد لها مسلكا نحو الآخرية الممتلئة التي حولت العدم من زمن ملغى باستمرار إلى موقف يجعل العالم بأكمله بين قوسين في أفق تحقيق الأولانية الأنطولوجية للذات .

بالنسبة للمؤسسة ، الفلسفة قيمة فكرية لاغية لأنها تبحث في الأسس و بالتالي ستصل من خلال ذلك إلى استنبات قيم المغايرة التي تؤمن بالانهيار . تتأسس حقيقة العالم الأبدية من وجهه نظر المؤسسة على جعل هذا العالم قائما حتى و إن كان على رجل واحدة مادام أن الطريق إلى أنفسنا لا يكون دائما مضمون النتائج .

يجعل الفيلسوف من المقدمات نتائج لحصيلة فكرية تتأسس على مستوى درجة لا تتحمل أي مؤشر . بين هذا و ذاك تقوم الفلسفة بواجب إيجاد مراعاة يمكن حتما من خلالها إعطاء السؤال هذه القدرة الهائلة على الامتلاء . من خلال ذلك ، كيف يمكن إذن الجمع بين إستراتيجية نظرية قائمة على الاحتمال و التجاوز إلى الممكن ثم إيجاد الفعل الآدمي الذي بإمكانه صياغة معادلة تبدو للكثيرين شذوذا اجتماعيا . التضخم اللغوي لا يعطي بالضرورة فعلا مبدعا . صحيح أن اللغة تتمثل بقوة الحمولة المتعددة للعالم و الآخر ، و بالتالي تقوم على إستراتيجية الإرجاء التي تجعل من بنية السؤال مسارا تأسيسيا .

كيف يمكن أن نؤسس اختلافنا داخل بنية فكرية مؤسسة على الواحدية المطلقة ؟ هل العقل وحده بإمكانه خلخلة الصياغة النمطية لمجموعة تعتقد أن ذاتها لا يمكن أن تشكل حيزا للفراغ ؟ أم أن ظل الجسد في انفلاتاته الدائمة يشكل الإرساء الذي يرسم أفق كينونتنا الناغلة و القابعة بين دواليب منظومات القيمة و الأحكام الماقبلية .

الفلسفة لها القدرة على تكثيف اللماذات التي تحول انسيابنا الوجودي إلى تأرجحات زمانية تعانق في كل لحظة اللامتناهي أو الممكن . صحيح ، أن جدلية السؤال و الجواب قبل أن تحول حياتنا إلى موت لمجموعة من التحققات - تلغي الجسد أولا و أخيرا – ترسم آثارا للتعديم . و العدم هنا ليس موتا فيزيقيا و لكنه الحيز الزماني الذي يمكن أن يأخذه السؤال بعد لحظة اختلال في مفهوم الواقع المتعارف عليه عند ذاك نؤمن بوجود يقوم على الاستيهام و الإحالة .

لا يمكن إذن لأية إستراتيجية مفهومية تتوخى بحق الاشتغال على جماجم أتعبها تأريخ النهائي و المطلق ، دون هذه المتانة الفكرية التي تجعل من المفهوم هندسة للمتحول و الذي قد ينطوي على واقع أخذ منا كل شيء إلا الجسد المؤجل . لعبة المفاهيم هاته لا تفترض ترويضا للمتشتت حتى في أقصى احتمالاته و لكنه في الأساس تموقع للجسد . ينبثق عن ذلك المعادلة التالية : المفهوم صياغة زمانية للجسد ، في حين أن الجسد و هو يأخذ بعدا مفهوميا قد يلغي الآخرية من أجل تحقيق الأولية .

لقد أثبتت التجربة الفلسفية ليس فقط قدرة على تفكيك ملامح التراجيديا الفردية في علاقتها بـ : العالم و الزمان و الموت ، بل أكدت على المستوى المعرفي ، أن السياق الوجودي يحتم فعلا استنبات مجموعة من الشروط الفكرية بإمكانها التقاط معطى الفراغات الذي يصيغ أولا و أخيرا حقيقة الذات الإنسانية من خلال نزوعها اللانهائي نحو تحقق الموت .

في إطار لعبة التجاوز هاته و تجاوز التجاوز ، تبدأ الفلسفة بالجسد و تنتهي بالموت . بين هذا و ذاك مسافة زمانية تصاغ فيها الأسئلة و القضايا الكبرى التي تشكل بناءاتها المفاهمية مقدمة حتمية لأي تجربة مجتمعية تتوخى حقا رد الاعتبار للإنسان و جعله محور أي تفكير في المستقبل . ليس المهم إعطاء إجابات حاسمة و لكن القدرة على طرح الأسئلة و وضع شروط للتفكير يمكنها خلق مجموعة من المسارات الجديدة .

قدر الفلسفة هو جعلها من اللحظية معطى تراجيديا ، بمعنى أن القائم يستتبع حتما و بالضرورة ، انفلاتا للجسد ، و بالتالي فكل صياغة أو تأطير وضع نهائي ، يعتبر سلبا و انتفاء لهذه الخاصية المبدعة التي تميز الموقف الفلسفي ، مادام أن الفلسفة تتجاوز كل الممكنات و تنحت لنفسها سبيلا ، أم أن ظل الجسد في انفلاتاته الدائمة يشكل الإرساء الذي يرسم أفق كينونتنا الناغلة و القابعة بين دواليب منظومات القيمة و الأحكام الماقبلية . و هو جسد تبدو هويته غير واضحة ، لأن معالم الاشتغال و التحرك عنده تتعدد و تتداخل ، انطلاقا من منطق تكثفه أساسا الجدلية الكبيرة : السؤال / الموت و المحكومة بقاعدة تقوم على الحدود التالية : حينما نتساءل فإننا نستحضر الموت ، ليس كلعبة للصمت و لكن كأفق للتأسيس . سنتجاوز هنا المناخ اللغوي للبيولوجيا و الفيزيقا و الشعائر و الطقوس و القدر و المصير . من أجل تمثل قيمة الفراغات الوجودية باعتبارها إمكانات مضمرة ، حيث نطرح على ضوء ذلك التساؤلات التالية : أين توجد حقيقة العالم في الموجود أو اللاموجود أو فيهما معا ؟ و هل الموجود قائم لأن السؤال جعل من الموت هامشا للاختلاف ؟ أم لأن اللاموجود غير قادر على التموضع دون سؤال يدوي بين ثنايا القائم ؟ .

كل ذات هي العالم ، و العلائق المؤسسة لانسياب مسار الأشياء تخلق وهما كبيرا اسمه مبدأ الواقع . بمعنى آخر حينما أدخل في مجموعة من التصادمات " ليست بالضرورة عنيفة " مع الآخرية .

و انطلاقا من مبدأي الاتفاق و الاختلاف . فإن الدوائر المتاحة للذات في الهناك ، تعطي لمبدأ الواقع فهما و حيزا نسبيا تختلف دلالته من موقع لآخر . بل إن أقصى نتيجة لذلك هو تفكيك رهان الوحدة و الفهم و اللغة و المرجعية و الإدراك ، آليات من بين أخرى تتوخى بالأساس الحصر و الضبط و التقنين .

موقع الفلسفة من كل ذلك هو أنها تؤسس لأفق لغوي آخر مغاير ، و ترسم لمسار جديد ، يبحث عن آليات التداخل و الترابط الصميمي بين الذات و السؤال و الموت . لقد أعلنا سابقا أن فراغات الوجود تبقى ملتبسة داخل التقليد اللغوي الذي يفكر بمنطق التماثل . في حين أنه مع الانهيار و التجاوز ، فإنه لا شرط للذات إلا بالسؤال . و بينما يتحول الموت إلى تحقق متعدد و لانهائي للجسد مع التقليد السابق كذلك ، يتم استحضار الموت باعتباره إما خللا وجوديا أو شرا ميتافيزيقا ، و إما كمسار أولاني يلتقط به كل جسد جسده بعد مجموعة من الاحتمالات المصاحبة لهذا الجسد و التي تبعده بشكل أو بآخر عن التموضع .

الفلسفة سؤال الذات من أجل الموت . تجربة الوجود ، يمكن أن تختزل بأكملها في درجة تماس بين هذه الممكنات و بالتالي إذا فككنا هذه العلاقة من زاوية أخرى فإننا سنضع أيدينا على الجذر الخاطئ للوجود . ذلك أنه حينما ينتفي سؤال الفلسفة فإن موت الذات يتحول إلى مصير . تماهي الفلسفة بالفراغات يكثف الاحتمالات و الممكنات ، و يأخذ الوجود حيز العدم الذي تحول بدوره من مجرد قيمة نافية و سالبة إلى تمركز مطلق للجسد .

أين يتموضع هذا الجسد بالفلسفة ؟ لاشك أن جل الثقافات الإنسانية تتكلم عن الجسد بنوع من الارتياب إن صح التعبير و تربطه بكل أشكال السوء و الرذيلة .

نخشى من العري لأنه ينهض على قيمة التأسيس . الفلسفة بدورها ظلت موضع إقصاء طيلة تاريخها . ذلك أنه لا يمكن لأي متفلسف التحدث إلى الجماعة ، دون أن يزعج منظومتها . نواة الفلسفة هو السؤال ، حيث يشكل العراء ماهيته . بالسؤال نكتشف أن لاشيء يجمعنا بالوجود إلا الصمت . وحدها اللغة تدحض اليقينات و تحطم التأسيسات و تتجاوز البديهيات . الفلسفة لغة بامتياز ، و الفيلسوف يخصب اللغة إلى أقصى دلالاتها . لذلك ليس صدفة أن ترتبط اللغة مع الحرية بشكل حميمي ، و بالتالي ازدهار الفكر الفلسفي و الممارسة الفلسفية داخل المجموعات الإنسانية الحرة . كما أنه كلما ازدادت مساحة حرية الذات الإنسانية ، إلا و أصبح تمثلها للمحيط أكثر جرأة و شجاعة . الجسد الحر يداعب الوجود بلغة مفصولة عن السياق التداولي العام . لأن هذه الأخيرة تبقى مرتبطة و ملتصقة بمحددات و ثوابت تدرك العالم انطلاقا من المعطيات التي يقدمها هذا العالم عن نفسه . و حدودها و مركباتها تظل في غالب الأحيان نسبية و قاصرة عن ملامسة الماهيات الحقيقية . اللغة اليومية تعكس في غالب الأحيان طريقة التفكير السائدة . و أعتقد بأن كل مجموعة إنسانية ، غالبا ما توظف لغة تستمد مفاهيمها من تجربة تقوم على الإقصاء و الحصر لممكنات الوجود اللانهائية . إن ما يعطي مبررا لواقع ما هو المنظومة التي تتوزعها ثنائية الإيجاب و السلب ، القبول و الرفض .

يتجاوز الجسد مع الفلسفة كل التواءات الوجود ، لأن حمولة السؤال بتحطيمها للحظي ، يلغي بناءات الآخرية و التي تستثمر مسألتين أساسيتين من أجل تعضيد بنية الوجود : اللغة الواصفة ، و المنظومة المجتمعية . و أكثر ما يفترضه ذلك هو البداهة و الوضوح و التماثل و التمثل و الاتفاق و الفهم . قيم و معادلات ، نلاحظ بأنها تغيب في شروطها التفكيرية العامة شيء اسمه المحتمل الفلسفي و الذي يراهن بدوره على امتلاء الجسد . الآخر يلغي الجسد بقوة لأنه يلاحق كل فراغات الذات ، و هي الدوائر التي يمكن من خلالها صياغة الوجود على قاعدة الجسد / الموت .

لا شك أنه في ورطة تفكيك الوجود ، غالبا ما نؤسس المكون المعاكس انطلاقا من مفاهيم تأخذ مشروعيتها الدلالية من اللغة الواصفة و من البنيات النظرية التي تجد جذورها في منظومة الإقصاء و السلب . بمعنى آخر ، إننا نتوخى إعطاء الوجود منحاه الأولاني ، إلا أنه بمفاهيم الوحدة و النموذج . نحس و كأننا نعيد الكرة و بالتالي نسقط في نفس الخطاب المتكرر . الحل الإجرائي لذلك هو الاتفاق على تجربة مفهومية جديدة ، تشتغل وفق منطق الارتياب و التجاوز . و هكذا فحينما نتحدث عن الجسد أو الموت أو السؤال أو الامتلاء أو الفراغ . إننا ننزعها من إطارها النظري المتداول في التقدير و الصياغة . المفاهيم التقليدية و المرتبطة أساسا بالسياقات الاجتماعية القائمة على التنميط و النمذجة ، تظل قاصرة إن لم نقل عاجزة عن استنبات الآفاق الفكرية الجديدة التي تلحقنا بالصيرورة الكبيرة للوجود . المفهوم كعائق يعكس ، في أبعاده الابستيمولوجية ، أزمة فكر و ذوات تلتصق بالقائم دون القدرة على استشراف المابعدي . فيتحول التاريخ إلى لحظة مكتملة و الذات تصبح تسويقا لنماذج جاهزة مطلقة على مستوى التأسيس .

الفيلسوف يُعدم / ينتحر / يهمش اجتماعيا أو يسجن ، لعبة الجسد هنا تأخذ قيمتها الطبيعية . الموت تمحور حول الجسد و العزلة تكثيف للجسد ، و بين الموت و العزلة تنكشف الأسئلة الكبرى التي تلغي كل القيم و المواضعات التي تفترضها مجموعة إنسانية . يأخذ الجسد مع الفلسفة منحيين ، قد يكون في لحظة ما ، الدائرة الوحيدة للانزواء ومن ثم الدفاع و استباحة الأفكار المألوفة ، و من جهة ثانية فإنه يمثل المصدر الأساسي و الجوهري لكل موقف فلسفي . حينما ينفلت جسد الفيلسوف منه ، فإنه يتحول إلى مجرد مؤرخ أو مدرس يجتر الأفكار و يكررها و تصبح معه الفلسفة قيمة قبلية .

الاتصال الأول بالعالم يتأتى عن طريق الجسد ، لحظات الولادة و الموت ترسم المسار الأنطولوجي . لكن ما هو المقياس الذي يعطينا إمكانية الفصل بين الممكن الفلسفي و غيره ؟ نظرا لأن كل البشر قد يخضعون لنفس السلطة البيولوجية . اختلاف الفعل الفلسفي و مغايرته للأفعال الفيزيقية الأخرى ، يتأتى بالأساس من طبيعة الحيز الذي يأخذه الجسد ، ليس ككتلة مادية لها مجموعة من الخصائص المادية . و لكننا نقصد هنا ، طبيعة التوظيف الجديد للمسار الأنطولوجي من أجل تحويل قيم الهناك أي الآخرية بكل تلاوينها إلى وجود أولاني للذات . إنها ليست قضية وعي وجودي ، أو مجرد شعور يتأرجح بين مجموعة من الأحاسيس . وجود الذات يتجاوز كل ذلك ، فهي قضية موقف و مصير بل و قطيعة كبرى مع وجود الولادة البيولوجية . وحده الفيلسوف يتماهى بالجسد إلى أقصى تجلياته ، إيمانا منه بأن مصير الفكر الحر يجد حمولته المبدعة في الجسد المختلف مع ذاته و القابع في زمان الفراغات . لا فلسفة بدون جسد و بالأخص المنفلت منه .

حينما نتجاوز السؤال كقيمة إبستيمولوجية ، فإننا نصل إلى حلقة من الصعب الحسم في إحداثياتها المكانية و شروطها الزمانية . يتعلق الأمر بطبيعة المساحة التي يمكن أن تأخذها علاقة الجسد بالسؤال ثم ارتباط الفلسفة بهذه التماثلات . يتأسس الجسد بالسؤال في حمولته المطلقة و في نفس الآن ، فإن الجسد يستحضر و قائعيته الناغلة من خلال متواليات السؤال . الوصول إذن إلى العلاقة التالية : " السؤال جسد غائب ، و الجسد سؤال تم تحيينه " . بقدر ما تدفعنا إلى الكشف عن حدود و ممكنات و كذا آليات هذا الاشتغال الأنطولوجي الفذ ، و الذي سيجد حتما في الفلسفة مدارا أوليا ، فإنه يلغي في أحيان كثيرة – مسألة مقصودة – لحظة القبض على الوجود بما هو موجود .

السؤال وجود مؤجل . و الفلسفة لها القدرة المعرفية و النظرية على تحويل هذا المؤجل المفارق إلى إمكانية نافية ، ضدا على البداهة و الإثبات و الوضوح . كقيم فكرية تجد مشروعيتها في المجتمع القائم على مفاهيم اللغة الواصفة ، تجد الفلسفة ذاتها في وضعية الباحث الدائم و باستمرار عن الجسد ، لأنه الإمكانية الوحيدة للسؤال . ليس فقط وجودنا غير مدرك و ما يؤكد ذلك هو التاريخ ، و لكنه بالضرورة يقوم على مجموعة من الإكراهات تتوخى لذاتها شكل مسوغات و مبررات ، تفترض لديمومتها تحول الجسد إلى مجرد آخرية . وجود أولاني للجسد . يجعل من الزمان الذاتي تأسيسا و خاصة " تنويعا " لماهية الموت .

تعالق الفلسفة بالسؤال يقود إلى تعديم للتعددية الفالتة من الذات ، امتياز للجسد و خلق جديد للغة ، و تحول للعالم من سقفه اللغوي – العالم كائن لغوي بامتياز – إلى تجربة مباشرة للتحقق.

في التقليد القديم و ارتباطا بالمنظومات المفهومية المطلقة و الواحدية ، لا يمكن التحدث عن الموت دون استحضار تجربة عبثية العالم و لاجدواه . الموت نهاية حتمية ، قدر بيولوجي يضع الذات في حرج من أمرها : كيف يمكن تحويل العالم إلى مجال للاشتهاء ؟ و في نفس الوقت الإسراع به نحو اندثاره . جدلية التحقق و الانفلات ، مع الفهم الميتافيزيقي لها ، تعطي للموت أفقا سلطويا بالمفهوم المادي و الرمزي . حتمية الموت داخل المسار الوجودي ، تجعل منها قضية يصعب في كثير من الأحيان وضع الأصبع على حدودها .

التفكير الفلسفي يحل الإشكال من خلال إعادة تشكيل العلاقة الأنطولوجية بين الجسد والسؤال . ذلك أن المنفلت و الذي يأخذ صفة موت في التفكير اللافلسفي ، يرتبط بشكل أو بآخر بل في صميميته بمجموع السياقات التي تختلف عن ذاتها و تعطي لمفهوم الهوية قيمة تعددية . إذن سؤال الجسد بمنطق ارتيابي فلسفي ، و بتجاوزه الدائم للحظي المؤسس – على وهمية ذلك – لكل إمكاناته يكشف عن الموت لكن كإبداع و خلق . الموت ليست نهاية و لا عدما و لا قطيعة مع الوجود . إنه سياق للذات تعطي من خلاله لتجربتي المكان و الزمان حمولة مفهومية تقطع مع التصور الفيزيائي جاعلة من الآخرية المتعددة في الهناك مجرد مسوغ نسبي للوجود الخطأ . الموت يعطي للتعدد مطلق دلالته ، و ذلك بموضعته للذات في مسار وجودي أولاني . الانفلاتات السابقة هي في الأصل وازع انطولوجي للتحقق ، إلا انه يحدث الإخفاق . موت الفلسفة يقوي كثيرا من أطروحة الموت البيولوجي ، و بالعكس من ذلك فإن سؤال الفلسفة يجعل من الموت ديناميكية للوجود .

حينما نتحدث عن علاقة الفلسفة بذاتها ، فإننا نفترض مسألتين أساسيتين : إحداهما تعطي إمكانية منفتحة بشكل مطلق ، على ماهية الفلسفة التي يمكن أن تعود إلى السؤال و الجسد و الموت أي الثالوث المفاهيمي الذي بإمكانه موضعة الذات كحقيقة أولانية ، يتعلق الأمر بالفلسفة كتاريخ ، و تجربة عينية تلتصق بانفتاحات الجسد في تعالقاته المتعددة . من الناحية المعرفية يشتغل الفيلسوف داخل هذا الموقع و هو لا يعبر إلا عن براءة السؤال . الفلسفة / التاريخ ، تشتغل على مساحة الوجود بأرضية مفاهيمية تتماسك وفق منطق للتعديم على المستوى الأنطولوجي . و بالتالي فإن آلة المفهوم تأخذ في هذا السياق ، أقصى درجات الإبداعية و الإنتاجية . عملية لا تتم بشكل عشوائي ، و تبعا لانسياب عبثي . بل الأمر في حقيقة الأمر يسعى إلى التماثل بشكل واع أو بغير وعي مع مسارات الذات في البحث عن الأولوية . المفاهيم هنا لا تحل في ذاتها بشكل مطلق . هناك دائما رخاوة في السيلان و الانسياب . و المفهوم لا يقتضي في تعريفه مجموع حمولته النظرية . إنه يشتغل داخل الفلسفة بانفتاحية كاملة .

المسألة الأخرى ترتبط أساسا بمسار ثان للفلسفة أي حينما تتحول إلى عملية تأريخية ، حيث تتحدث الفلسفة عن ذاتها بمنطق الاكتمال . الشرط المعرفي لذلك يأخذ وجهين ، تحولها المؤسسة من جهة إلى شعبة و قسم للتدريس . فتفقد الفلسفة الأفق الفكري ، الذي يجعل منها علما كونيا للذات و الوجود . و يتحول الفيلسوف مع هذا السياق الجديد إلى ملقن للمعارف أكثر منه " محارب " عتيد . و من جهة ثانية فإن الفلسفة و هي تؤرخ لمفاهيمها ، تغيب في لحظات كثيرة منطق الاختلاف واللاثماتل ، و الذي يراهن بدوره على الماهيات المحتملة سبيل الذات الوحيد للانكشاف على الوجود / الجسد .
ـــــــــ
ورقة عن الوجود
اللوحة : إسماعيل فتاح الترك