يناير 13، 2011

قراءة في رواية طوفان صدفي .، لسعدي الزيدي


" الأفعال قرينة شيء يمور في الرأس و للرجل الذي يترصد الأعداء و الأصدقاء أن لا يبادر إلى إعلان خفاياه فالزمن مثل هذا المحكي عنه ، يحتاج إلى رفعة عجيبة و اعتداد بالنفس ، أوصد كل الأبواب عن فراغ بيتك من السلاح فالأبواب الموصدة وسيلة دفاع حكيمة ... "

ما بعد الكفاية ..، من وصايا الشيخ .
جزء مقتطع من الطوفان الثاني من الرواية

ـــــــــ

بداية يمكن أن تتخذ الحكاية و إن بدا لك تسميتها رواية أوجه عدّة ترتدي في هيئتها ألف رداء سردي و تتشكل مع القاريء بمقدار ما يمكنه الدخول لعالمها ليمثل أحد عناصرها المحكية ، فطوفان صدفي هي حكاية تتخذ من التاريخ مرجعية تقيم عليها الزمن الذي يبدو للوهلة الأولى زمن سحيق لا داعي من استحضار تفاصيله ، فالشخصيات تحمل على كاهلها إيضاح ما طرأ عليها من زمن امتد في فهم ما لقرون و في فهم آخر لدقيقتين ما يعني أن عملية تشتيت مقصودة أرادها " سعدي الزيدي " بوعي تام لعنصر الزمن ، أيضا فالمشاهد المكانية بين جبل و قرية توضح بعض معالم الزمن حينما يصف صورته بمونتاج عالي الجودة ليصل القاريء في النهاية أن الحكاية / الرواية التي بين يديه عمل زمني احترف صانعه في إيجاده و خلقه بصورة مشوهة ليبني به عالم تاريخي و حاضر في نفس الوقت و ربما مستقبلي أيضاً ، تتعدد فيه مستويات و علاقات الزمن داخل النص السردي بما يحمله الزمن من حدث و ما تقوم بتأديته الشخوص ليتعدد الزمن بين زمن يحمل النشيد أو الفكرة داخل عقل و وجدان المبدع و زمن للحكاية نفسها و تتعدد داخله الأزمنة بجانب زمن للقراءة و زمن أخير وهو زمن التحليل الذي يتورط فيه المتلقّي لينخرط داخل الطوفان الذي يصوره لنا " سعدي الزيدي " بتاريخه الشخصي .

يمكن القول أن هناك تناقض بين زمن الوحدة الكلامية " الجملة " أحادي الخط بينما زمن الحكاية متعدد الأبعاد بحيث يمكن أن تحدث عدة أحداث دفعة واحدة في لحظة زمنية واحدة و لكن النص السردي لا يستطيع استيعابها جملة واحدة فيضطر إلى عرضها الواحدة تلو الأخرى تحت شكل صورة معقدة السطح مطروحة على خط مستقيم برع السارد في طوفان صدفي أن يأتي بضرورة بتر التعاقب الطبيعي للأحداث ليضع روايته / حكايته كفيلم سينمائي قائم بالأساس على عملية قص المشاهد و منتجتها ليجلب معه مفهومين و بالتالي يولّد مفهوماً ثالثا جديدا هو الذي أراد لنا " سعدي " فهمه من خلال بناء روائي محكم الصنع .

يدخل بك " الزيدي " مباشرة بصدمة لواقع لم تشهده و لم يشهده هو شخصياً و ربما صنعه في مخيلته الموصومة ببعض الفهم التاريخي للزمن و ذلك الواقع الغير محكي تاريخياً و بدون تمهيد منطقي أو أكليشيه معتاد طفق الروائيون بوضعه كاستهلال لما يمكنهم قوله فيما بعد و مع بداية الروي تشعر بتسارع ما للحدث سيكون مولد للإيقاع و ليرسم قطاع عرضي عن وعي تام للعالم / الحكاية حيث يبدأ الرواية فيقول : " في المدينـة التي نقطنهـا مكـث الجلائريـون ، فـي سنـة مـا ، أعقبهم برابرة و قبـل هؤلاء و أولئك سَخَرَ الفوضويون من برابرة النهر لزوارقهم الأطفال و اتخذوا الصبايا خليلات ، و غضب الجلائريون و هكذا مات البرابرة الفوضويون الذين سبقوهم و البرابرة بعدهم بفيضان الرائحة العطنة من النهر و مخارج الجلائريون و سميت تلك السنة بعام العطونة ، و على مسافة ساعة يقطن مزارعون لا تخمد همتهم من البذار و الحصاد - موقع العطونة - الذي صار حياً سكنياً ... " .

في الفهم العام لسياق الرواية يتضح أن " الزيدي " يبرز وظيفة " سياسية ، اجتماعية ، دينية و فكرية .. " لشخصية من شخصيات التاريخ و يطمع في تخليد بيئة من البيئات فجاء بغير الحقيقة التاريخية و لم يعبر إلا عن أيديولوجيته هو و آرائه الشخصية غير الحيادية دون أن يكون عبر بالضرورة عن تلك البيئة التي اكتشفها في الواقع لينقلها بكذبة كبيرة ضمن إطار أدبي خالص يحاول فيه تأكيد كذبته لتكون واقع ملموس لتاريخ لم يعرفه غيره .، إلا أن مهارة السارد هنا تكمن في أنه استطاع بكل ثقة و وعي الكتابة دون الجنوح لمنطقة الحكي التاريخي فحسب بل في منطقة بناء عالم سردي يستطيع في النهاية أن يطلق عليه رواية و إن سماها البعض تاريخية ، " سعدي " خلق من تاريخية الحكاية محاولة لتأويل الوقائع و استخدامها بمنطق الأسطورة أو الرمز الذي يحيل لما هو أبعد زمنيا و فكريا بل نلفيه أيضا اتخذ من تلك التاريخية إطارا خياليا خصبا منه يتفجر معنى الظاهرة الثورية إذ يبرز عدة مستويات فهم لعملية الثورة من خلال شخصية " إبراهيم الممتدة في إسماعيل " الذي حمل إرث أرضه و بيئته و من ثم فضح حنين عارم للثورة ضد القدر نفسه .

عند تحليل الرواية التي اجتزئها " سعدي الزيدي " لثلاثة مراحل من الطوفان فإن المتلقي يجد نفسه أمام تقسيم زمني بحت للماضي و الحاضر و المستقبل بالترتيب العقيم لمعانيهم في الرواية / المحكية .، قد يكون عاب الرواية هذه التقليدية في الترتيب المنطقي ذلك الذي جانب السارد الصواب فيه إذ بني شجرة من الزمن ربما حاول أن ينداح الماضي فيها في الحاضر ليستلهما المستقبل لكنه فشل في ذلك فظهر الماضي جليا في زمنه و الحاضر و المستقبل أيضا في محاولة فاشلة أيضا في استخدام تكنيك الرؤية من الخارج و وقع أيضا في فخ الرواي بالرؤية المصاحبة و هذا ليس عيباً فنيا لكن وضوح المحاولة الفاشلة في الروي من الخارج ظهرت في اللحظة الذي ظهر فيها أسلوب " الزيدي " في الروي المصاحب ، ليجد المتلقي نفسه أمام رواية تقليدية في تكنيك البناء و تقديم الزمن بالرغم من استخدام السارد لتقنية الروي التاريخي الذي قدمه بدقة و بجمال فني يحسب له نجاحه فيه بهذا القدر و نادرا ما نجد كتابة سرد روائي تاريخي بهذه الدقة في الصنع ليظل النص أدبيا لا يجنح ناحية التاريخ .

كذلك نجد النظرة التقليدية إلى الصلة بين الراوي و شخصيات روايته تمثل في أنه يعرف كل شيء عن هذه الشخصيات و هو بالضرورة أعلم منها و أدرى و على أنه لا أود البحث عن علم الراوي بقدر ما ابحث عن نفسية الشخوص و الغوص في تركيبتها التي جعلت منها شخوص غابرة بهذا المنطق الذي قدمه " سعدي " حول إمكانية أن يكون إبراهيم الانقطاعي شخص يعيش في هذه اللحظة معك ، فإبراهيم الذي حمل وصية إعادة إعمار القرية التي طالما طردته و اعتبرته ابن حرام ، كان عليه أن يكون الأب الشرعي للقرية و أبنائها و زوج النساء جميعا من بقوا بعد كارثة الطوفان الأول الذي أخذ في طريقه رجال القرية في معركة دموية لم و لن تفهم أبدا وقت حدوثها ، لكن عليك أن تصدق نتائج المعركة الدموية التي أودت بكل الرجال في حمام دم لم يبق منهم غير إبراهيم الذي قادته الصدفة و تعاليم شيخ القرية للخروج قبل المذبحة ليظل هو حامل تاريخية المنطقة و إن كان سيعبث ببعض التفاصيل وقت ما ليصبح هو المنقذ الأول و الأخير لسلالة القرية ليعوض بعض من نقص صاحبه طول سنوات عمره التي عاشها مطرودا و مكروها من أهل قريته و هو الآن بعد كارثة الطوفان الأول السيد الأوحد و راعي النساء و زوجهم في شريعة لم و لن تأت على الأرض أبدا ابتدعها إضافة لما ابتدع الزيدي ، لأن يصبح إبراهيم الأب الأوحد الذي تزوج سبعين امرأة و ليمتد تاريخه مع ابنه إسماعيل الذي جاء قبل الخراب .

عند النظر داخل تكوين شخوص رواية طوفان صدفي نجد أننا أمام شخوص تم صناعتهم بحرفية صانع الأحذية الذي ما فتيء يورث بلادته في الشعور بخام الجلد الذي يبني منه الحذاء تماما كما سلخ " الزيدي " شخوصه من الحياة ليوضحوا فقط ما يود قوله عن تاريخية حكايته الأسطورية أو الرمزية ، فلا هو قدم الشخصية بحيث هي كائن حي له وجود فيزيقي أو شخصية منمحية متضائلة الملامح ، فقط بني " الزيدي " شخوصه كأعمدة بناء الحكاية التي توضح فكرته عن الوجود و الثورة ضد الوجود ليصبحوا جميعا " الشخوص " كائنات ورقية مشيئة غير معترف بوجودها على الإطلاق تعمل لحمل المتلقي لتعرية طرف من نفسه كان مجهولا لتكشف مظهرا من مظاهر الكينونة ما كان ليتضح لولا الاتصال الذي حدث عبر حكاية / رواية طوفان صدفي ، فإبراهيم هو جانب خفي من جوانب النفس البشرية لكل منا و كذلك إسماعيل ، استطاعا تعرية أجزاء منا نحن الأحياء العقلاء .

في الطوفان الثاني الذي قاده إسماعيل ابن إبراهيم الانقطاعي و هو كما وضح من خلال الروي انه مصاب بداء نفسي ألزمه سن الطفولة بينما هو شيخ مر عليه قرون من الزمن ، فإسماعيل الذي يعيش الطفولة بكل تفاصيل اللهو و العبث و يشاركه الأطفال وقته ما هو إلا شيخ يحمل تاريخ أباه إبراهيم و هو تاريخ القرية الذي تنصّل له جميع الأبناء الذين خرجوا من ذرية إبراهيم الانقطاعي على حسب مروية " الزيدي " و بشريعة زواجه من السبعين امرأة ، لكن خرج الجميع يعرفون أمهاتهم و لكنهم لم يعلموا لهم أب غير أن إسماعيل كان عالم ببواطن تاريخ قريته رغم ما يعانيه من مرضه النفسي .، لكن طفق " الزيدي " في توضيح معالم مكانه / القرية الجديدة ، إضافة إلى وضوح الراوي كشخصية من شخصيات الرواية التي صار يتضح فيها معالم السرد كقطعة أدبية أكثر من كونها تاريخ إذ بدا الزمن الحاضر للعالم الذي بدعه " الزيدي " يمثل رهان لصدق الوقائع .

الشيخ في الطوفان الثاني هو امتداد للشيخ في الطوفان الأول بالمثل إبراهيم و إسماعيل و كأنهما شخص واحد لكن تغيرت هيئته و معالم حياته و لغته و هو انتقال عبثي للزمن حاول فيه السارد تشتيت المتلقي لكنه وقع في فخ عادية الانتقال من الماضي للحاضر لأنه لا سبيل لديه للإقناع بالوقائع غير الانتقال تاريخيا من الماضي للحاضر بهذه المنطقية ، فالشيخ في الطوفان الثاني يبدو و انه لا يمت بصلة للشيخ في الطوفان الأول و بالتناقض نجده يكمل وصاياه ، و يصدمك " سعدي الزيدي " بإرهاص في نهاية الطوفان الثاني يدمر كل ما له علاقة بنوعية الكتابة السردية / الروائية ، إذ حوّل تاريخية السرد إلى وقائع علمية لم أجد دافع من ذكرها بهذا الشكل على طريقة بيان لجماعة بحث في تاريخ الجيولوجيا أو في تاريخ الأنواع و السلالات البشرية .، ليدمّر الإرهاص ما كان قد أسسه المتلقي و ما أسسه الراوي بنفسه في المحكية لا لشيء غير إثبات الوقائع و كأن " الزيدي " يوثق لتاريخ ما يحاول دعمه بهذا البيان عن صدق ما حُكي في الطوفان الأول و الثاني و هي محاولة طفولية أكثر من كونها بناء سردي داخل الرواية ليوضح انه لا يكذب و أن ما يقوله هو الصدق بالرغم من ثراء ما سبق الإرهاص ذلك في توضيح المحكية على أنها أسطورة ترمز لما يودّ قوله السارد .

الطوفان الثالث الصدفي الذي أكّد لنا " سعدي الزيدي " أنه حدث بالفعل رغم أن التاريخ المدون لم تسعفه ذاكرته ليدون أحداث طوفانه ذلك و الذي أكد أيضا أنه ليس طوفان نوح ، نجد أن محاولة سرد الزمن على انه مستقبل فشل ليصبح الزمن حاضر متقدم أو بالتعبير الإنجليزي حاضر مستمر و لكنه على كل حال يصبح المستقبل الذي سبقه الطوفان الأول و الثاني و ما جعله حاضر مستمر هو استمرار إسماعيل لكن في حاضرة جديدة عكس القرية التي صارت مدينة برداء المدنية الجديد .، المدينة التي احتمى بها تاريخ إبراهيم الانقطاعي و حافظ على سره و وصاياه إسماعيل تلك الشخصية التي برع " الزيدي " في إحكام توضيح معاناتها خصوصاً في الفصل الأخير من الطوفان إذ بدا رجل فصامي عاش ما عاش بشخصيات عدّة مكنته من الاستمرار كل تلك السنين محافظاً على سر قريته و تاريخ أبيه و أجداده ، ليحارب في النهاية جيوش الأعداء الغير وهمية التي طمعت في خير قريته / المدينة و في تاريخها و ثرواته ليدفع حياته ثمن الحفاظ عليها .

مع الانتهاء من السرد تماماً تجد نفسك أمام تاريخ أسطوري يرمز للواقع الحالي الذي كان مقصوداً العمل على توضيح معالمه ، و نجح " سعدي الزيدي " في رواية ما يود روايته عن تاريخه هو الشخصي و كأنه هو الراوي الذي لعب دوراً متأرجحا بين كونه هو البطل إسماعيل و بين كونه هو السارد " سعدي " و بين كونه راوي شهد فصول الحكاية بأكملها منذ كان الطوفان الأول و للنهاية بموت إسماعيل .، تجد أنك تلقيت حكاية أقرب للسرد اللفظي " الحدوتة " منها للحكاية التاريخية المبتكرة أو الرواية ، لكن نجاح الروائي هنا في جعل هذه " الحدوتة " عالم يتحرك معك لتصير رواية .، و هي قدرة إبداع الكاتب .

يمكن القول أن الرواية استخدمت لغة سردية تلعب في منطقة وسيطة بين الشعر و الحكي ، لغة أنيقة عبقة مختالة فالروائي فطن لكون اللغة هي أساس الجمال في العمل الإبداعي بعد أن فقدت الشخصية كثيرا من الامتيازات الفنية التي كانت تتمتع بها داخل السرد .، و عالج بشكل يُحترم أيضا مستوى اللغة عند الحديث عن كل شخصية أو بلسانها سواء كانت قائمة بالحدث أو يقع عليها ، فلكل شخصية مستواها اللغوي فعند الحديث عن الشيخ تتبدل اللغة إلى محاولة كتابة بمفردة تحمل إيقاع و فهم صوفي و عند الحديث عن إبراهيم / إسماعيل تتحول اللغة إلى فصيحة محلية و تتحول مع إسماعيل الطفل المصاب بمرضه النفسي تصبح مفردات غير مفهومة .، كما أن " الزيدي " برع في نقل الحكاية / الرواية بلغة الراوي بالرغم من وضع تصور عن كون الحكاية تدور في واقع تاريخي منفصل بلغته عن لغة الراوي / الحاكي .، إضافة لبراعة في استخدام اللغة الوصفية لنقل الصورة / المشهد كما هو في الوقائع التاريخية التي يرصدها الزيدي معبرا عن عالمه الذي بناه أسطورياً كان أو واقعياً .، فالكاتب استطاع أن يتكئ تماما على اللغة ليبرزها قلقة متحولة متغيرة متحفزة لينهض بها البناء الفني مُراعياً المتلقي المفترض دخوله للنص كشخص أساسي من البناء ، لكنه لم يصل لمرحلة أن تكون اللغة هي الغاية من الرواية و هو بذلك نجح في فرض قدرته على استخدام اللغة كعنصر يرتقي بالنص مع أخذه في الاعتبار عدم الانتقال بحدّة من مستوى لغوي إلى آخر كي لا يصاب المتلقي بصدمة النشاز و هو ما استحسنته في الرواية إضافة إلى إيقاع السرد الذي حافظ عليه " الزيدي " كونه سارد يمتلك أدواته الفنية بدقة . نجده يتمكن من استخدام المناجاة بحرفية عالية لتصير اعتراف الذات للذات بعكس اللغة الحوارية التي لم يعتمدها في روايته تماما بل استخدم لغة حميمية تندس ضمن اللغة العامة المشتركة بين السارد و الشخصيات و تمثل الصدق و البوح و الاعتراف .

أخيرا من المهم توضيح في جملة ما تم توضيحه أن رواية طوفان صدفي استخدمت حيزا بكل تفاصيله " الزمن و اللغة و الإيقاع " ضيقاً للغاية بحيث صار الحيز عقاب قسري للشخوص الذين لم تتاح لهم فرصة الخروج عن الحيز الذي رسمه " الزيدي " بحرفية , و بقدر ما كان الحيز متسع كرؤية فنية كان ضيق كجغرافيا الشخوص الذين عاشوا بامتداد القرون تاريخيا كما أراد لهم الروائي داخل قرية الخراب التي و إن اتسعت في مساحة غير معينة بأسطوريتها إلا أنها ظلت ضيقة على الشخوص بحيث لم يحدث انتقال مكاني للأحداث .، و يتسم الحيز الروائي في طوفان صدفي ممثلاً في القرية في معظم أطوار مثوله بالجمالية و الإيحاء ليصير أحد عناصر الرواية بإتقان جعله كائن يعي و يعقل و يشهد و يروي و يضر و ينفع ، إضافة إلى أن استخدام الوصف كتكنيك ظهر قليلاً متوحدا مع مستويات اللغة ليؤكد أن الروائي " سعد الزيدي " كان منتبها لكل تفاصيل الكتابة الروائية ليحكم روايته على القدر الذي يجعلها رواية تعبر عن قلق النفس البشرية تجاه العالم .

ــــــــ

مقطع من الرواية ..
....
لا الخيول حقيقة و لا صويحباته واقعهن ، لكنه إسماعيل الولد ، نكتة القرية التي صارت مدينة تتحكم في مصائر المدن ، فهي قلب الطريق ، المفترق إلى المدن الأخرى ، و ابن هذا المفترق " إسماعيل " الولد الغريب و مثلما المفترقات في فروعها ، تحكم إسماعيل في أقاويله ... نطق بأكذوبته الأولى : " حلال دم الغزال " .، فاز في مناطحة ثور المختار و خسر المختار ثوره .. باح بأسرار البستان و أشخاص اللقاء و دون أن يدري استقالت الوزارة فكان السبب في أزمة من أزمات المملكة الفتية .. شكر السيد على إطعامه القشدة المغمسة بالكاكاو .. فضح العلاقة بين السيد و أرملة مأذون القرية ... و ...... ، و هكذا صار إسماعيل مشكلة مدينة قديمة تثار في شوارع مدينة حديثة ، و لهذا تنكر أبي لطفولته معه .. صاغ الشيوخ أقوالاً أخرى غير المروية على لسان الجدات عن إسماعيل و إبراهيم الانقطاعي .، قال جارنا لأبي : علينا أن نبتر الحكاية و نلجم فم إسماعيل فما هي الحكاية ، أيثير هذا المستديم بطفولته رجالنا . اضحك بقوة من هؤلاء و خوفهم من أفعال إسماعيل و هي أفعال طفل لا يتجاوز العاشرة ، القيمة على معيشته و هي حفيدة أخته قالت للناس عليهم احترام حقوق شخص مريض ، صحيح انه غير مثمر لكن قتله جريمة ... " عليكم روح النبي لا تمسوه بضير .. " .، صحنا جميعاً نحن الأطفال : لِمَ تخافون طفلنا إسماعيل .، في طفولتنا ، صَيـرنا إسماعيل بعيراً و طالما فعلنا ذلك أنا كنت قرب رقبته ، لا ادري كيف تسلقت على ظهـره الأملس كالحجارة و بقية الأولاد احدهم على ذراعه و الأخر على وسطه و هكذا ظـل يركـض و يخب كالفرس .. ها .. انحنوا .. انحنوا سندخل طاق السلطان ... باشا .. باشا .. باشا ، صيحوا حياكم ، ظل يصيح و نحن لا نفهم شيئا لكننا نعرف إننا نلعب لعبة السلطان و الجندرمة ... كدنا نسقط من على ظهره إذ انفعل كثيراً و بدا يصيح بوجه الجيوش القادمة و نحن لا نرى شيئاً ، و هو يتفاعل مع حرب موهومـة ... انظروا : دخلوا من جهة الفتحة ، الجهات جميعاً مغلقة و القرية محُاطة بشبه سور و الفتحة الوحيدة تقام أمامها مئات الخيام يعسكر فيها الجند و القرية التي هجرها أهلها تقطن فيها عشر نساء فقط ، كن قد خسرن محاولات إبراهيم إذ واقعهن مرتين أو ثلاث ، قالت واحدة منهن " غير مقسوم الرزق من جماعتنا ... " .
تضاء مصابيح الزيت ليلاً و تعلق عند الواجهة أمام البيت و عند المغيب ، تصير المصابيح دليلاً لضيوف يمكثون دقائق معدودة و يعودن بعدها إلى الثكنة ، و طالما رسم إبراهيم فخاخه في منتصف المسافة بين الفتحة ، و البيوت ، يحار أحياناً كيف التخلص من عدم السقوط في أي قبضة ، سواء بيوت النساء أم خيام الجيش ، ... و نحن نركب ظهره اهتز جذعه بعنف و يبدو انه نسي مجموعة الأولاد التي تمتطي ظهـره و ظـل يصيح بأسماء نساء ليس لهن وجود في عصرنا فتلك فخرية ، و نبيلة ، و مجدية و عامرة ، ظل يسرد في الأسماء حتى عضه احدهم و شتمه محتجاً علـى ورود اسـم جدتـه مع أسماء النساء عشيقات جنود الاحتلال الباشوي ...
في الحقيقة أن " مجدية " هي جدة والدي و " عامرة " جدة والدتي الرابعة .. اغتاظ أبي كثيراً إذ عرف بذلك و هكذا امسكوا به مساءَ و قيدوه بالسلاسل حتى يكف عن ذكر الأسماء ، لكن جسده الثقيل ظل يحتمل كل هذا الهول .. لكننا بدأنا نعرف أسماء جداتنا .

ــــــ

ببليوغرافيا :

سعدي عوض الزيدي
قاص و روائي
عراقي من مواليد 1962 , الشطرة / ذي قار
أكاديمي عمل في الصحافة و اتحاد المؤرخين العرب
صدر له :
رغوة المسافات - مجموعة قصصية
وداعاً أيتها السنة القادمة - مجموعة قصصية
الحب - نص مسرحي
طوفان صدفي - رواية
للتواصل معه :
sady_bagdad@yahoo.com
ــــــ
اللوحة : سيروان باران عارف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق