سبتمبر 30، 2010

الحرية باعتبارها حق أصيل


عن الحرية
إهداء لطلّ الملوحي

ـــــــ

من يريد إسقاط أي أمة و إنزالها إلى الحضيض ، ما عليه إلا أن يكبح الحريات و يلجم الأفواه .

دتوماس جيفرسن

ــــــ

حين يقع الشعب في قبضة الإرهاب ، فانه لا يفقد فقط اغلب حرياته ، إنما سيتخلى طوعا عما يتبقى منها . و يكون مستعدا للركوع لكل من يدّعي حمايته .

ألدن لوفشيد

ـــــ

تضرب جذور موضوع الحرية أعماقها في طوباوية المدينة الفاضلة و فردانية المجتمع المثالي التي ترى بأنه لا يمكن انبثاق مصلحة المجتمع الكلية إلا من خلال صيانة المصلحة الشخصية للأفراد و تنمية المبادرة الخلاقة التي لا ترتبط بأي وشائج مباشرة بمصلحة الجماعة المنظمة أو تستجيب لمشيئتها ، كما أنها لا تخضع لسيطرة المجتمع العامة أو قواه السلطوية مهما كان نوعها . و رغم أن مفهوم الحرية قديم قدم الزمن إلا أن المصطلح "فريدوم " الذي نعرفه اليوم كان قد ظهر لأول مرة في الترجمة الانكَليزية لسفر " سلوى الفلسفة " لبوثيوس التي أنجزها و نشرها الملك اليفرد العظيم عام 888 . و قد استعمل الملك المترجم هذه الكلمة المتكونة من مقطعين جرمانيين تعني الترجمة العربية الحرفية لهما " اعتبار العزيز " مما يشير إلى فحوى المصطلح الاجتماعي و خلفيته الإنسانية و يؤكد سموه الأخلاقي ، لاسيما إذا علمنا أن هدف ذلك العمل الفلسفي كان في تفسير الهموم الإنسانية في القدرة و الإرادة و الضرورة و الحرية . و في مرحلة لاحقة تطور مفهوم الحرية باعتباره حق إنساني شخصي طبيعي ، خاصة بتأثير طروحات الفيلسوف الانكليزي جان لوك و من تأثر به من فلاسفة التنوير مثل ديفيد هيوم و جان جاك روسو و عمانوئيل و كانت و جان ستيوارت مل و الثوريين الأمريكيين مثل بنجامين فرانكلن و توماس جيفرسن . و حصيلة لمثل هذا الإجماع الفكري المتقدم تبلور مفهوم الحرية ليصبح شرطا جوهريا من شروط الوجود الإنساني و حقا من حقوق البشر الأساسية الذي لا يمكن نكرانه أو الاستغناء عنه ، و لا يمكن مصادرته أو إلغائه من قبل أي جهة .

من المفارقة أن هذا الحق الطبيعي لم يكن يوما " طبيعيا " بتحصيل حاصل عبر التأريخ البشري ، إنما كان و لا يزال في مقدمة الحقوق الإنسانية التي لا يحصل عليها البشر إلا بانتزاعها عبر الآلام و التضحيات ، و بقوة الإصرار و الصبر و العزيمة . تجدر الإشارة هنا إلى ثلاث ثورات تاريخية كبرى خاضتها الشعوب التي تحتل اليوم مواقعا متقدمة في مدى تمتعها بالحريات التي نصت عليها دساتيرها الديمقراطية التي ساهمت في إشاعة مبادئ الحرية و الديمقراطية و ضمان أهميتهما التاريخية ليس لتلك الشعوب فحسب إنما لبقية شعوب العالم الأخرى " ثورة القرن السابع عشر الانكليزية و الثورة الأمريكية و ما نتج عنها من بيان الاستقلال عام 1776، و لاحقا الدستور الأمريكي عام 1787 و مواده العشرة الأولى التي شكلت لائحة حقوق الإنسان و الثورة الفرنسية عام 1789 " .

و إذ يكون غنيا عن الاستفاضة الخوض في مسألة مصادرة الحريات و تمزقها و تراجع حقوق الإنسان المدنية في ظل الانقلابات الفاشية الايطالية و النازية الألمانية و الدكتاتورية الاسبانية ، فانه من المثير تأمل حقيقة أن ثورة أكتوبر البلشفية في روسيا عام 1917 كانت قد أوقدت شعلة الأمل في تحقيق الحريات الجماهيرية استنادا إلى الفكر الماركسي النظري المثالي الذي يرى بان جميع صيغ الحرية الليبرالية ما هي إلا واجهات لأيديولوجيات الطبقات المتسلطة أو تلك الساعية إلى التسلط ، ذلك أنها لا تخدم القطاع الأوسع من الجماهير ، و يرى بأنه لا يمكن تحقيق الحرية الحقيقية إلا بإنهاء الاستغلال الطبقي . إلا أن حبكة و جمال النظرية لم يجدا ما يعكسهما في واقع الحال . فالتجربة السوفيتية الرائدة سرعان ما تحولت إلى توتاليتيرية متزمتة خاصة على يد ستالين ، مما حمل الكثير ، لاسيما من الأصدقاء و الموالين من غير المؤدلجين ، على الاستنتاج بأن موضوع الاشتراكية النبيلة القائمة نظريا على إنهاء الصراعات الطبقية بالملكية العامة لوسائل الإنتاج ستقود لا محالة ، إذا ما طبقت على ارض الواقع ، إلى شيوع صيغ الدكتاتورية الحزبية و استفحال أساليب الدولة البوليسية التي يصبح همها الشاغل خنق نفس الحريات التي كان الثوريون يناضلون من اجل انتزاعها . على أن المؤلم و المخيب للآمال هنا هو ما حصل في التجربة الروسية و جميع التجارب التي تأثرت بها و حذت حذوها ، من امتهان و كبح لحريات السواد الأعظم من الطبقات الكادحة و مسخ صيرورتها و تحويلها إلى أشباح مواطنين يدفعون كراماتهم ثمنا لقطعة الخبز التي يأكلون ، و يعقدون ألسنتهم خوفا من ، أو ولاءً ، للحزب و الثورة اللذين يتحولان ليس فقط إلى الولي الأعلى لنعمة المواطنين ، إنما إلى الإله المقدس الذي لا يمسه حتى المطهرون .

على أن النبل المتأصل في موضوع الاشتراكية ، و بخاصة في صلبها الذي يتمحور على فكرة المساواة الإنسانية لم يكن بعيدا عن الإطار العام الذي أحاط بفلسفة الدساتير الليبرالية التي أقرت في البلدان غير الشيوعية . فلا يمكن الحديث عن الحرية و الديمقراطية بشكليهما الأصيل دون التحقيق الفعلي لمساواة المواطنين أمام القانون و إزاء الفرص المتاحة والتكافؤ الاقتصادي في مجالات الحياة الحيوية كالصحة و التعليم و الثقافة و التدريب و العمل و الأمن و السلامة و تأمين مستقبل الأجيال ، الأمر الذي ينبغي أن يصبح الواجب الاسمي الذي تضطلع به الدولة و المؤسسات المدنية المستقلة من اجل تهيئة الأرضية المناسبة لقبول و شيوع أفكار الحرية و الديمقراطية و شيوع تطبيقهما الفعلي الخلاق بدلا من الكلام الفضفاض الذي يزين التقارير الحزبية و الخطب السياسية و يلهب البلاغات الثورية و يزركش بيانات المؤتمرات الخارجة تواً من أبواق الأنظمة الفاشية بالقدر الأكبر و قليل منها ما يخرج عمن يدافعون عن الحرية دون مقابل و لهدف واحد أسمى من الحياة ذاتها ألا وهو الإنسانية الحرّة .

ينطوي حق الحرية الشخصي على القدرة على التفكير و الكلام و الفعل في ظل الحصانة الكاملة من المحددات التي قد يُحمل الفرد على التقيد بها من قبل سلطة معينة سواء أكانت هذه السلطة عائلية أم اجتماعية أم دينية أم سياسية . ويتضمن هذا الحق ما يلي : " تحقيق الانعتاق الحقيقي من الاضطهاد و العبودية الجسدية و الفكرية .، بلوغ التحرر الكامل من الأوهام و الوساوس و الخزعبلات .، تنمية القابلية على اتخاذ القرار الشخصي المحض المنبثق من القناعة الداخلية و المحكوم بما يمليه الضمير .، امتلاك المبادرة الكلية و التصرف الآني و الإستراتيجي اللذان تقتضيهما الحاجات الإنسانية الشخصية من مأكل و مسكن و ثقافة و نمط حياة " .

قد يقود التركيز على فردانية الحرية إلى تأمل احتمال حصول التعارض بين حق الفرد و حق المجتمع و إمكانية تناقض ممارساتهما العملية . و لذا فقد يبدر إلى الذهن الكثير من التساؤلات الهامة من قبيل : " هل هناك حدود لحق الحرية الشخصي ؟ .، هل تتعارض الحقوق الشخصية المختلفة عبر الأفراد و الزمان و المكان ؟ .، هل ينجم سعي الأفراد في حرياتهم الفردية إلى فوضى عامة قد تجسد تعارض الحرية الشخصية مع حرية المجتمع في السعي إلى النظام و الأمن و صيانة الحق العام و حقوق الآخرين ؟ .، هل تتخذ الحرية أشكال و صيغ و ماديات تختلف باختلاف موقع الفرد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ؟ " .

و الإجابة المنطقية لجميع هذه الأسئلة هي " نعم " قد يحدث كل ذلك و قد يجر من وراءه العديد من العواقب السيئة و الحيثيات المضرة ، لكن العلاج الأفضل الذي يوفره النظام الديمقراطي الحر هو توافر عنصرين أساسيين : الدستور المدني ، أولا ، الذي يعمل بمثابة قانون البلاد الأعلى و الدليل العام لكل ما يتعلق بحياة الشعب ، و سلطة القانون التشريعية و التنفيذية الكفوءة و العادلة و المستقلة ، ثانيا ، حيث يعمل هذان العنصران ليس فقط لحل النزاعات الآنية و إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل الناشئة عن فهم و استيعاب و ممارسة الحريات ، إنما للاستفادة من التجربة و إجراء التعديلات المستمرة التي يتطلبها تقدم الحياة و تطور العصر . و بدون هذين العنصرين لا يمكن لأي مجتمع الادعاء بأدنى ما يتعلق بالحرية و الديمقراطية الحقيقيتين .
في معرض قدسية حق الحرية الشخصي يرى الفيلسوف و الاقتصادي الانكَليزي جان ستيوارت مل في كتابه " حول الحرية " المنشور عام 1859 انه رغم شرعية تفوق رأي الأغلبية على رأي الأقلية في الحالات التي تتطلب رأيا واحدا فانه لا يستبعد حصول ما يسميه بـ " طغيان الأغلبية " الذي لا ينبغي ، من الناحية الإنسانية ، أن يبرر إلغاء أو مصادرة الحق الشخصي . و يورد مثالا في ذلك فيقول : " لو افترضنا أن اتفق أبناء الخليقة جمعاء على رأي واحد ضد رأي آخر يتبناه رجل واحد فقط ، فان ذلك الإجماع الأسطوري لا يعطي أدنى حق لإسكات ذلك الرجل أو منعه من قول ما يشاء قوله ، ناهيك عن بطلان حق الخليقة في محاسبة أو عقاب الرجل على اختلافه معها " . و قد كان كتاب مل و ما يزال من أهم النصوص الكلاسيكية التاريخية في معالجة طبيعة الحرية الشخصية و تحليل شرعية السلطة التي يقرها و يمارسها المجتمع حيال الفرد . و في هذا الصدد استنبط مل ما يسمى ب " معيار الضرر " الذي يقنن مدى حرية الأفراد لقول أو عمل ما يشاءون بشرط أن لا تؤدي أقوالهم أو أفعالهم إلى إلحاق الضرر بالآخرين . على أن مبدأ الضرر هذا يحمل ضوابطا معينة بين ثناياه ، فيفترض بالفرد الذي يطالب بالحرية أن يكون واعيا بما يقول أو يفعل ، عارفا بحدوده ، و مقدرا لمسؤولياته و واجباته تجاه نفسه و المجتمع ، و بخلاف ذلك فليس له الحق أن يكون حرا بالمعنى الفوضوي أو أن يتوقع بأنه مصان فيما يقول و ما يفعل دون حساب أو كتاب . كما يجادل مل بأن حرية تعبير الأفراد عن دواخلهم تشكل شرطا ضروريا من شروط التطور الفكري و الاجتماعي الذي ينشده المجتمع ، و يدعم ذلك بسببين جوهريين : " يزداد استعداد الأفراد للتخلي عن التصورات الخاطئة و الأفكار الضارة و التخريبية عندما يمنحهم المجتمع الفرصة لعرض ما في جعبتهم من أفكار و مشاريع و مناقشتها على المكشوف .، تؤدي فرصة النقاش و الحوار المفتوح إلى دفع الأشخاص باتجاه التأمل الملي و تمحيص الأفكار و موازنتها و تقييمها إزاء التوقعات مما يضيف بمرور الزمن آلية أوتوماتيكية للسيطرة على ما بتداوله المجتمع من أفكار و أفعال من خلال غربلة الممارسات و التأكد من سلامتها و إنقاذها من الوقوع في شرك الدوغمائية العمياء ، و هذا ما تعجز الرقابة السلطوية المباشرة عن تنفيذه .

تشير تجارب الشعوب الحرة إلى خروج بعض الأقوال و الأفعال و النشاطات عن حدود الأعراف الاجتماعية العامة المقبولة لدى أي مجتمع ، و مرورها عبر جسر حريات التعبير كحملات التجريح و التعرض إلى سمعة الآخرين التي قد تصل إلى الانتهاكات المبنية على أسس الأحقاد الشخصية و السياسية و العنصرية و الدينية و الطائفية و المناطقية أو تلك المبنية بموجب تصنيف الناس على أسس العمر و الجنس و الحالة الزوجية و الميول الجنسية . كما قد تحتمي تحت مظلة الحرية نشاطات الإرهاب و التخريب و الدعارة أو التنظيمات و الأعمال التي تهدف إلى إشعال فتيل الفتنة و إطلاق أعمال الشغب و تأجيج العنف و الاضطرابات ، و الأعمال الساعية إلى تحريض الناس على الإخلال بالقانون و تعريض حياة الآمنين إلى الخطر . و خير رد على كل تلك الخروقات هو الاحتكام إلى سلطة القضاء المستقل و آلياته الحاسمة شريطة أن تكون هذه السلطة منبثقة عن إرادة الشعب و مخولة بسلطته و مدعومة بمؤسساته لغرض واحد هو توظيف الأساليب الشرعية لحماية المنتزعة حرياتهم .

كمثال لتجربة قمع الحرية أنه من المحيط للخليج تقوم النظم العربية في الأساس على قوة جهازي أمن الدولة و المخابرات و تستخدمهما ضد الشعوب و توجهات البعض الفكرية و السياسية و الدينية ؛ إذ أنشئت أجهزة الأمن تلك لحماية النظم الفاشية من هبات الشعوب لطلب الحقوق و معاقبة الفاسدين ، و تطورت هذه الأجهزة مع تطوّر تقنيات الشعوب لمواجهة أنظمة الفساد ، فتم إنشاء فروع متخصصة لمقاومة نشطاء الإنترنت و مراقبة تحركاتهم و استصدرت بعض الدول الأكثر قمعية الحاكمة في ظل قوانين الطواريء قوانين لمحاكمة نشطاء العوالم الافتراضية ، بعدما تم نقل صراع النخبة المثقفة من الشارع للإنترنت ضد الحكام العملاء المتآمرين على شعوبهم و ضد حريتهم و حقهم في حياة كريمة فوق أرض هم مالكوها الحقيقيون و أصحاب مواردها .

كان الهدف الأسمى للدولة هو تحقيق الفضيلة فالفضيلة تنتمي إلى الدولة المدنية و لا تتحقق إلا فيها ، و إن أساس الدولة هو الاختلاف و التعدد حيث أن الدولة تقوم على أساس التعاون بين أنواع مختلفة من الأفراد ، و بناء على ذلك فالدولة الدستورية هي المثل الأعلى فلا ثقة و لا إيمان بالحكم المطلق مهما كانت صفات الحاكم حتى و لو كان ذلك الحاكم فيلسوف ، و أفراد الشعب هم جميع السكان الذين يقيمون على أرض الدولة بغض النظر عن ديانتهم أو عاداتهم أو أصلهم و لا يشترط في هذه المجموعة أن تكون من عدد معين من الأفراد يكفي أن تكون هذه المجموعة متجانسة حتى تحافظ على بقائها و هم من يختارون ذلك الحاكم في الأصل ، و تطوّر الهدف من الدولة لتصبح الرذيلة هي منتهى غاية الحاكم ليسيطر على شعبه من خلال ضرب المعتقد الديني و الثقافي الجمعي لهم بتوجيه لكمات متتالية من إعلام كان منذ عقود إعلام حكومي أوحد يصدر لهم ما تتم الموافقة عليه من قبل النظام الحكام حتى و بعد هذا العالم المفتوح في فضاء الإعلام المسموع و المقروء و المرئي و دخول ثورة تكنولوجيا المعلومات أصبح لدى بعض الدول حساسية من ذلك التطور فراقبت بعض الدول و منعت دول أخرى حرية تداول المعلومات و استخدامها للترويج للأفكار و الأيديولوجيات بل و أمعنت في اعتقال نشطاء العوالم الافتراضية من " مدونين " و " فيس بوكيين " و لدينا آلاف المعتقلين في معظم الدول العربية على خلفيات قضايا نشر و نشر إلكتروني و خلافها من القضايا المتعددة الموجهة في الأساس لكسر إرادة الشعوب و إيصال رسالة أن الحرية بعيدة المنال عن أرواحهم .

ـــــ
إشارة : لن يكون هناك داعي من شرح الحرية و حقوق الإنسان من خلال الأديان لا لنقضها و لكن للبعد عن النعرات الطائفية و الدينية و أيضاً لأن فتح باب شروح الحرية في الأديان المختلفة يحتاج لمقارنة أديان و صفحات لا عدّ لها ، لذا كان يجب التنويه أن ما كتبته يعد صفحة من تاريخ البشرية و نضالها من أجل الحرية كحق إنساني .
ـــــ
اللوحة : غسان كنفاني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق